Quantcast
Channel: StillSUDAN

يدكم خليها تكون قصيرة شوية

$
0
0

جاء دكلان ولش، مراسل نيويورك تايمز الأول في افريقيا، وزميله كرستوف كوتي، للمرة الثانية بالثابتة في شأن المدد الحربي الإماراتي لمقاتلي الدعم السريع تحت ستار العون الإنساني وبقماشة الهلال الأحمر الإماراتي، وذلك في عدد الجريدة ٢١ سبتمبر الجاري. وسبق وجاء وزميلاه كوتي واريك شميدت بطرف من هذا العون الحربي العام الماضي في عدد ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٣.

حال الحول على هذا المدد الكريم من الإماراتيين لآلة القتل والنهب التي أخرجت أثقالها في حضر السودان وريفه. رصد وولش وكوتي في تقريرهما الأخير أركان جريمة حرب إماراتية بشهادة   متحدث اتحاد الصليب والهلال الأحمر توماسو ديلا لونغا عن إرسال الاتحاد فريقا إلى تشاد للتقصي حول الأمر في ٢٠٢٣ و٢٠٢٤، فعركس الإماراتيون ورفضوا دخول الفريق إلى "المستشفى الميداني"في أم جرس التشادية لأسباب أمنية. كما قال مسؤول في منظمة الهجرة الدولية لمراسلي التايمز: "يستغل الإماراتيون الهلال الأحمر كغطاء لنقل السلاح إلى مليشيا ترتكب الفظائع راهنا في دارفور."

ربما بلغ صوت مراسل النيويورك التايمز ولش، الخواجة الآيرلندي، أبعد من صوت اللاجئ السوداني الذي وجه حديثا ظاهرا إلى الوزيرة الإماراتية لانا زكي نسيبه، خلال زيارتها في منتصف سبتمبر الجاري لمستشفى تشادي لاستعراض كرم بلادها، فقال للسيدة الوزيرة ما هماه شي: "تعلمون جيدا أنتم اليد الأيمن في إيقاف الحرب وأنتم اليد الأيمن في اشتعال الحرب في السودان. لذلك ده مطلبنا. من الآن لا بنطلب أكل، لا بنطلب شراب، لا بنطلب لبس، لا بنطلب تعليم، لا بنطلب صحة، لا بنطلب مسكن. لأن الشعب التشادي ما قَصّر، وفروا لينا الحاجات دي كلها، الشعب التشادي وفر لينا الحاجات دي كلها. قاعدين في بيوتهم، وبناكل معاهم وبنشرب معاهم، وبنلبس معاهم، وكل شي معاهم. بس دايرين منكم، بس لو دايرين تكرمونا وقفوا لينا الحرب في السودان ده. تاني ما دايرين أي حاجة. وقفوا لينا الحرب الفي السودان ويدكم خليها تكون قصيرة شوية. جزاكم الله خير."

والصوت ومداه، وما يُسمع وما يُذاع وما يُعتد به وما يُطمس في موقعه، ما يُؤخذ به وما يُهمل، دالة للشوكة، لا للحقيقة. ومن ذلك حقيقة حرب رأس مال حكام الإمارات على شعوب السودان، سيان فيها الوكيل لشيوخ الإمارات والمقاوم لبأسهم، المُنْفَنِس والقائم، فالحرب على كليهما. لا تبلغ هذه الحقيقة اللوغاريثمات الدولية للشوكة سوى كفضيحة تُوارى في غبار الكلام الماسخ عن ضرورة وقف العدائيات والتصدي للمأساة الإنسانية، حرب تتنكر كسلام. ويبلغ شِعر الشوكة أقصى الكهانة في مثل الذي صدر من البيت الأبيض في مناسبة زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الإمارات العربية المتحدة، ولقائه الرئيس بايدن. أمن القائدان بحسب بيان البيض الأبيض على أن الشراكة الدفاعية الاستراتيجية بين بلديهما قائمة وديناميكية، وعبرا عن قلقهما العميق من الأثر المأساوي للعنف في السودان على الشعب السوداني والبلاد المجاورة، وأكدا ألا حل عسكري للصراع في السودان، وأمنا على موقفهما الثابت حول ضرورة العمل الملموس والعاجل لتحقيق وقف مستمر للعدائيات؛ العودة إلى العملية السياسية والتحول إلى حكم يقوده المدنيون. وأضافا أن الأولوية الآن هي لحماية المدنيين، بخاصة النساء والأطفال وكبار السن، فعلى من يتهكمان؟ هل على اللاجئ الذي أشار بسبابته إلى سحت الهلال الأحمر الإماراتي لسان حاله: الله الغني. 


لحن الحياة منك

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٥١ بتاريخ ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٤

نشر نفر كريم من أطباء السودان وعلمائه في لانست، عمدة المجلات الطبية البريطانية، في ٢٤ سبتمبر الماضي، تعليقا قصيراأثبتوا فيه هول مصاب شعوب السودان في الحرب القائمة، وجاءوا بالأرقام التي تتداولها المنظمات الدولية عن القتل والمسغبة والمرض والتهجير والاغتصاب والتعذيب وخراب الزرع والإنتاج. ونقلوا ضمن ما نقلوا عن مدير منظمة الصحة العالمية، الذي زار بورتسودان في سبتمبر، أن المنظمة لم تستطع تأمين سوى ٢٤٪ من التمويل الذي طلبته لمجابهة الأزمة الصحية في البلاد. اقترح هذا النفر الكريم ذوي التجربة والخبرة في الخدمة الصحية العامة وعلوم سريرية ذات صلة، منها طب الأطفال وطب النساء والولادة والأمراض المعدية وطب المناطق الحارة والجراحة، خطة محيطة لمجابهة الاحتياجات الإنسانية العاجلة والتهيئة للتعافي طويل الأمد. 

الخطة المقترحة ذات أهداف قابلة للقياس حول سبع مسائل: التغطية الإعلامية الدولية الضنينة للحرب، النزوح واللجوء، الماء غير الآمن ونظافة البيئة، تهديد المجاعة، انهيار البنى التحتية للرعاية الصحية، العنف الجنسي المرتبط بالصراع، ضعف العون الإنساني الدولي. وقالوا إن محاولات مجابهة الحاجات الصحية العاجلة لا بد أن تتصل بجهود إعادة الإعمار بعد نهاية الصراع في سياق واحد لتحقيق تعافي مستدام. 

جاء هؤلاء النفر العزيز إلى الكارثة القائمة بعبارة مهنية دمثة، وسلسلة من الإجراءات التي يمكن القيام بها وقياس فعالية تنفيذها، مسألتهم فيها ترميم وإصلاح نظم المياه والمراحيض والعون الغذائي واستعادة الإنتاج الزراعي وترميم منافذ الخدمة الصحية وتشغيل العاملين في القطاع الصحي وتدريبهم وغير ذلك من أوجه الحياة. الافتراض المضمر لتحقيق جميع هذه الأهداف بطبيعة الحال هو استعادة الأمن. ورصد النفر الكريم هذا الشرط بعبارة «ممرات آمنة» للنازحين واللاجئين و«مواقع آمنة» لخدمة من تعرضوا للعنف الجنسي، وتفادوا خلا ذلك الخوض في عقدة الحرب، وامتثلوا بذلك لحياد مهنتيهم في الأخذ بأسباب الحياة حيث توفرت، لحن الحياة، وصمتوا عن سواها، وأحسنوا بذلك وما ضروا. لم يرد العارض الحربي إلا في موقع وحيد، وذلك في ذكرهم لتأثير التغطية الإعلامية على قرارات صانعي السياسات واستعداد الطرفين المتحاربين للتفاوض. 

لكن، كيف ينفذ هذا الشرط الغائب؟ جاءت على كل حال إجابة ظاهرة من اللاجئين في فيصل القاهرية، ومن جمهور في كسلا ودنقلا والفاشر وعطبرة والدامر وبورتسودان والأبيض، احتشدوا محتفلين مستبشرين بالتقدم العسكري للقوات المسلحة في مسارح حرب الخرطوم. سقم بفرحهم متحدث الدعم السريع فقال «فلول» صرف. وسقمت متحدثة «تقدم» السابقة فكتبت «أفراح بني معلوف»، كناية عن البهائم. وكتب آخر العقدة في الذي بين أولاد البحر وأولاد الغرب من غبينة، فأخرج من حيث لا يدري كيكل ونفره من البحر والمشتركة ونفرهم من الغرب ليصفو له طرفا التناقض. وسقم كذلك الزعيم في «تقدم»، خالد عمر يوسف، بهذه الأفراح، واعتمد معسكرين، أنصار الحرب وأنصار السلام، وتفسيرهما بالسابقات معارضي «تقدم» وأنصارها. جعل الأفراح من شأن أنصار الحرب، وقال شاهت نفوسهم بالأهوال وعملتهم بذلك «ما بتسير».  

لا يغيب عن القارئة الفطنة أن ثوب كل قياس فات يقصر عن تغطية عورة حربنا «العبثية»، وقد وقعت ودخلت «كل دار، كل ممشى». فكم من «فلولي» يحارب تحت رايات الدعم السريع، والدعم السريع كان ضلعا عظيما في هندسة «الفلول» الأمنية، وكم من «ثوري» يقاتل في صفوف القوات المسلحة، و«مورال» المشتركة في الدفاع عن الفاشر المحاصرة منذ شهور لا يضاهيه «مورال». الحرب أقصى درجات الصراع الاجتماعي، بعبارة ماو زيدونغ، وليس ثمة جبل يأوي إليه من يطلب اعتزالها المجيد فلا يبلغه طوفانها، فما حسبتها إذن؟ لن نبلغ تمام هذا الحساب على طريقة «الإجابة الصحيحة» و«كل ما سبق». لكن نفوسا في الجنينة والفاشر والضعين وود النورة والحلفايا وأم درمان وسواها على امتداد البلاد تنتظر في سفينة نوح أن تحلق بومة منرڤا، بومة الحكمة، عند الغسق، وقتما تنجلي المعركة، لتعرف بأي ذنب قتلت.  

أب عديلات الليلنا أو اناكوميسلياشي

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٥٣ بتاريخ ٧ نوفمبر ٢٠٢٤

نشرتجريدة البيان الإماراتية في العام ٢٠٠٣ كلمة مضيئة للمرحوم محمد إبراهيم نقد عنوانها «المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحول إلى شاهد زور»، كانت مفتاحا من مفاتيحه التي غمض على بعضنا وقتها لأي قفل صنعت، حتى جاء ضحى الغد وبرزت عورتنا «رحط أمك». وكتب محمد في كلمته محذرا من الخلعة أمام «المجتمع المدني» الذي جاء جديدا في عقد التسعينات كأنه إعادة اختراع العجلة أو في عبارته «التهاب الغدة النكافية» وكان عندنا «أب عديلات» متعدد الأشكال والصور، وجرد المرحوم محمد منها: "الجمعيات الأدبية، الأندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، أندية الخريجين، أندية العمال، الأحزاب السياسية، الحركة النقابية، حركات المزارعين والطلبة والنساء والشباب، اتحاد الصحفيين، اللجان الشعبية للدفاع عن الحريات، اللجان القومية للتضامن مع شعب مصر، كينيا، العراق، الكنغو، الروابط الأدبية في عطبرة وسنار وكوستي والأبيض ومدني، التجمع النقابي، التجمع الوطني الديمقراطي، مجالس الآباء والأمهات، الروابط القبلية والإقليمية، تضامن قوى الريف، اتحاد الكتاب، الجمعيات الخيرية." 

لكن ميز المرحوم محمد ما جد على مخدة «المجتمع المدني»، فهو على عكس «أب عديلات» الليلنا، نسيج في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة ممولة؛ نقل المرحوم محمد عن الدكتور حيدر إبراهيم قوله: "انحرف كثير من المنظمات عن أهدافه وأصبح ميدانا لصراعات داخلية قائمة على أسس ذاتية وشخصية، وهي خصومات لا ديمقراطية في الأسباب ووسائل إدارة الصراع، تميزه هذه المنظمات بصراع المكانة والوجاهة والامتيازات المادية والمعنوية. وغالبا ما تتحول ديمقراطية هذه المنظمات إلى تحكم شلة نافذة تستولي على فائض القيمة المتمثلة في المال والسفر والعلاقات العامة، انها حضرية ونخبوية، وهذا يعني أن العضوية محصورة وقليلة التأثير، أولويات الممولين قد تؤثر في تحديد الأولويات الوطنية والمحلية، بالإضافة إلى أساليب العمل التي يتوقعها الممول حرمت المنظمات من ابتداع طرائق جديدة، الوضع الحالي لمنظمات المجتمع المدني لا يبشر بمستقبل واعد."

وضرب المرحوم محمد لهذا الجنس مثلا اجتماعا لمنبر المجتمع المدني لجبال النوبة والنيل الأزرق انعقد في نوفمبر ٢٠٠٢ في فندق في كمبالا بدعوة من منظمة عموم إفريقيا وترتيب منظمات العدالة الإفريقية لحقوق الإنسان وتمويل وكالة التنمية الدولية البريطانية، وتساءل المرحوم محمد من هم مندوبو المنبر وما هي المنظمات التي انتدبتهم وقد تعذرت مشاركة طرف من الحركة الشعبية لتحرير السودان التي منعت كذلك منظمات المجتمع المدني العاملة في مناطق سيطرتها من الحضور. 

جاء المرحوم محمد كذلك مما قرأ بمبادئ قيل إنها تحكم نشاط المنظمات غير الحكومية فهي بحسب هذه النصوص: "تزول نشاطها في حير محدود، وليس لها دور سياسي مباشر؛ لا تعنى بتغيير الحكومات، أنما تضغط كيما تحترم الحكومات حقوق الإنسان؛ ممنوعة بحكم تكوينها وقانون تسجيلها من الفعل السياسي والتغيير السياسي؛ يلتزم العاملون فيها الحياد والابتعاد عن النشاط الحزبي أو الحزبي الصارخ؛ يلتزم مركز المنظمة التمويل وكورسات التدريب ومرتبات المتفرغين."وقارن هذه الأوجه للحيادية بمنفستو ليبرالي جديد في الواقع شهدت عليه مجلة الإكونومست. وجاء كذلك من مجلة الإكونومست بحقيقة أن منظمة أوكسفام تلقت من الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي في العام ١٩٩٩ حوالي ٢٤ مليون جنيه إسترليني من جملة ميزانيتها البالغة وقتها ٩٨ مليون جنية إسترليني، وتعتمد من مجموع ١٢٠ منظمة غير حكومية كبرى رصدت الإكونومست مالها ١١١ منظمة كليا على الحكومات، فهي إذن ليست منظمات "غير حكومية"بأي معنى دقيق. وعند الإكونومست، صوت الرأسمالية الناضجة منذ العام ١٨٤٣، العلة أن المراكز الرأسمالية أوكلت لهذه المنظمات مهمة مهام رعاية المعيشة، أو قل إعادة إنتاج قوى العمل، في الهامش الكوني. ذلك في محل الدولة التي قامت لتفكيك حواجزها الجمركية وقوامتها المالية والاقتصادية صامولة صامولة جيوش وبنوك وصناديق استثمارية ومنظمات مجتمع مدني دينها الليبرالية الجديدة. 

بعض أصول كلمة المرحوم محمد في أصيل الاتحاد السوفييتي وهو يترنح ترنحه الأخير حتى انحلال وثاقه في أواخر العام ١٩٩١. ولم تغب عنه بطبيعة حال شخصية «المنشق» من العالم السوفييتي التي اندثرت مع اندحاره، وكان شغلها أن ترثه، والله خير الوارثين. عادت الدكتورة شيلا فتزباتريك، مؤرخة الاتحاد السوفييتي المرموقة، إلى هذه الشخصية في كلمة من وحي كتاب للدكتور بنجامين ناتانز في عدد أكتوبر من «عرض لندن للكتب». و«المنشق» السوفييتي مولود للربيع السوفييتي الذي أعقب الحقبة الستالينية، نجم لامع في السماء الغربية بل طاهر مقدس متى أعلن مظاهرته للنظام السوفييتي لكن قليل الشعبية وسط مواطنيه السوفييت، بالكاد يعرفونه، أو مواطنيه من روس ما بعد الاتحاد السوفييتي. وجاء ناتانز بإحصاء من العام ٢٠١٣ يقول لم يتعرف سوى واحد من كل خمسة مواطنين روس على أي من مشاهير المنشقين السوفييت من حقبة الحرب الباردة. وكانوا بحسب ناتانز وما عرفته عنهم الدكتورة فيتزباتريك شخصيات مخالفة وذوي عقائد مكينة وإن لم تكن على الدوام منطقية، تحفزهم خصومة غريزية أو تكاد مع السلطات السوفييتية لكن ليس الأميركية أو الغربية بطبيعة الحال، أشهر طباعهم وإن عرفوا أنفسهم كديمقراطيين تسفيههم التام لرأي عامة الناس، وتصيدهم الصراع مع السلطات تصيدا بصورة صبيانية وعلى كل حال شديدة الصفوية، ملؤهم الثقة بالنفس والتأفف من سنن من حولهم، وشاغلهم قضايا الكون، فما مطابخ موسكو الضيقة دي، تقوم منظماتهم السياسية لتفشل فليس من طبع أحدهم العمل الجماعي بحق، اختفوا من سجل التاريخ يوم اختفى الاتحاد السوفييتي. لم يقبل ناتانز نسب «المنشق» إلى تراث الانتلجنسيا الروسية الراديكالية ما قبل الثورة البلشفية. وقال بينما توجهت الانتلجنسيا الراديكالية في القرن التاسع عشر إلى الشعب شغلها التحريض وسطه اكتفى المنشق بالحديث إلى من يشاركونه الرأي في حلقات خاصة، كانت مدار عالمه. ومتى خرج إلى العالم خرج برسالة إلى الصحافة الغربية. من ذلك ما شهدت الدكتورة فتزباتريك في موسكو السبعينيات، قالت تكرر مشهد وقوف مجموعات صغيرة من جنس «المنشق» بغرض الاحتجاج عند مكتبة لينين يحملون بوسترات تنادي بالحرية وحقوق الإنسان، لكن باللغة الإنجليزية، جمهورهم كاميرات مراسلي الصحافة الغربية، ومتى ما حضر هؤلاء والتقطوا الصور إياها انفض السامر. فضل هذا الجنس السياسي تسمية نفسه «اناكوميسلياشي»، مفكر مستقل من غير التيار السائد، والله بدي الجنة. 

.. لا تطا الوردة الصبية

$
0
0

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٥٤ بتاريخ ١٤ نوفمبر ٢٠٢٤

أسلمت ولاء (٢٤ عام) في ستر ليلة السبت ٩ نوفمبر الماضي نفسا راضية مرضية إلى بارئها، ذلك في مستشفى كسلا التعليمي بعد أن ألمت بها حمى الضنك الحادة في غُميلة حربنا «العبثية». وحمى الضنك مرض فيروسي ينقله جنس البعوض المنزلي (Aedesaegypti) الأكثر انتشارا في العالم ضمن فيروسات مسببة لأمراض معدية أخرى منها الحمى الصفراء وحمى الشيكينغويا. 

يبلغ طول فرد البعوضة المنزلية ٤ إلى ٧ ملمترات، تميزه علامات بيضاء على سيقانه وعلامة على الصدر في هيئة الربابة. يعيش ذكر البعوض هذا على الفاكهة أما إناثه فتسعى الدم، وضرورته إنضاج بيضها، وتبلغ مقصدها في دم الثدييات بتتبع مركبات كيمائية تفرزها أجسام الثدييات. وقد تخصصت إناث البعوض المنزلي في عض الإنسان تفضله على غيره من الثدييات بفضل تحول وراثي في مستقبل من مستقبلات حاسة الشم عندها رمزه Or4 يلتقط مركب روائحي اسمه السلكاتون يفرزه جسم الإنسان، والسلكاتون هذا إذن هو الطيب الذي يجذب أنثي البعوض المنزلي إلى البدن البشري (ك. مكبرايد وآخرون ٢٠١٤، مجلة «الطبيعة»، م ٥١٥: ص ٢٢٢-٢٢٧). 

يتكاثر البعوض المنزلي حيث تتراكم النفايات، ويحبذ ضمن ما يحبذ اللساتك القديمة، فمنها تنبعث رائحة المركبات الكربونية التي تجذبه، وأغلب توالده في المياه الراكدة، بما في ذلك أغطية البراميل البلاستيكية فهي كربونية كاللساتك. وأشد مواقع توالده خطرا من حيث الكم في قرب البشر خزانات المياه البلاستيكية وأرضيات الحمامات. تنتشر إناث البعوض المنزلي في ساعات الفجر والغسق في المواقع الظليلة وداخل البيوت والغرف بغرض العض، تلتقي في هذه الساعات أهدافها البشرية بجذب السلكاتون. 

يشفى معظم المصابين بحمى الضنك شفاءً تاماً بعد مردغة بالحمى والفتور وآلام العضلات لأسبوع أو نحو ذلك، تبقى في أبدانهم أجساما مضادا لفيروسها، إلا قليل فيهم كبار السن والرضع والمصابين بأمراض مزمنة يشتد بهم المرض، يفتك بصفائحهم الدموية وكريات دمهم البيضاء فتتناقص أعدادها أشد التناقص ويشيع في أبدانهم نزيف بنقص الصفائح ظاهر ومستتر. ومن الأصحاء قلة يحملون عوامل وراثية نادرة تزيد من خطر حمى الضنك عليهم زيادة معتبرة، من ذلك تنويعات وراثية في تكوين مستقبلات على أسطح الخلايا المناعية البدائية، أول حاجز صد ضد الميكروبات، ومنها صنف رمزه CD209 تتعرف به هذه الخلايا على فيروس الضنك لتبطل ضرره، لكن يثبط فعاليته هذا التنويع الوراثي فينفتح الباب للفيروس وشروره (م. كنعان وآخرون ٢٠٢٤، مجلة «العدوى والصحة العامة»، م ١٧: ص ٥٧٩-٥٨٧). 

لربما بلغت مثل ولاء من خلال هذه العلاقات البيولوجية بين البيئة والبعوض والبشر كشفا باطنا خلا ظاهرها الميكانيكي، و"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها" (البقرة: ٢٦). ولربما ألهمتها الاهتمام بجنس البعوض وبعلم الوراثة، الذي يسر للعارفين به إدراك مغزى السلكاتون. تخرجت الدكتورة ولاء حاتم سليمان لتوها، في سبتمبر الماضي، في كلية الطب، جامعة بحري الطريدة، وانشغلت ضمن مشاغل لها بمعنى الحياة وأشرقت نفسها بعد تجربة وتدبر بطيب خاطر وزهد أثيل فكتبت في ذلك: "وأنا مستلقية في سريري ليلا أشعر أن هذه الحياة ما هي إلا عقدة كبيرة لن تنفك، لكن وأنا أركب باص سفر في الخامسة صباحا وأرى كيف هذه الشمس تشرق بسلاسة وترمي بضوءها على الأرض، وكيف يمشي الناس وتهب الرياح على أغصان الشجر أقول إنها بسيطة جدا وأكاد أراها بساطا تمتد فيها الحقائق إلى كل الجهات!"

أدركت ولاء بعض هذا الإشراق بكنز الحب الذي قالت أحاط بها دُعاشه بين الأسرة والأهل والعشيرة فأطاعته، قومها في ود مدني السني وجزيرة الخير، حيث نشأت وسلكت المدارس، مدرسة البحوث ثم مدني الثانوية. والدتها الدكتورة أميرة أحمد على، معلمة اللغة الإنجليزية من أهل تنقاسي ومديرة إدارة الطلاب في تعليم الجزيرة، ووالدها المرحوم حاتم سليمان محمد سليمان من رحم العبابدة صاحب ورشة صيانة العربات في مدني، من قام لذكر تقواه وبياض يده أكثر من مجلس عزاء في ود مدني، بين مساكين أيامى ويتامى كان يبرهم سرا، حين فارق الدنيا في مارس ٢٠٢١. 

وولاء شاطرة؛ جاءت الخرطوم في العام ٢٠١٦ تسعى العلم في عمر ١٦ عام، طالبة في كلية الطب جامعة بحري. وكما نهلت من الحب في الأسرة بثته بين قومها الجدد في الكلية، فأزهر وأثمر، شجرة طيبة. وقام لنجدتها حين توعكت بحمى الضنك نفر غزير منهم، دفعتها، المقيم منهم والظاعن البعيد. وكان الأمل أن تشفى بجرعات خمس من سائل الأجسام المضادة عبر الوريد، وثمنها حوالي ٣٦٠٠ دولار أميركي تتناطح، تآزروا على جمعها بهمة وشغف فأصابوا المبلغ المطلوب في طرفة عين، تدفق بحبهم الخير، لكن سبق القدر التدبير. ومر المال من أيديهم صدقة لروحها الطاهرة إلى مرضى مستشفى كسلا، من كانت لتقف عليهم طبيبة خضراء العطايا بعلم نافع وبسمة كافية شافية. فمن أين جاء هذا الجيل بمثل هذا النبل في الزمالة والهمة في عسر ويسر؟ 

ولاء وصفها من «الجيل الراكب راس»، فازوا بفولاذ الإرادة من كدر الصراع الاجتماعي وطينه. انعجن عودهم في «العصيان المدني» عام ٢٠١٦ في وجه سلطان البشير صاحب حميدتي، وانصلب قائما في أعوام الثورة ٢٠١٨/٢٠١٩ وفتق مزهرا في الاعتصام المكين بخيال آخر، ثم تماسكوا الحزز في مقتلة فض الاعتصام ما لانت لهم قناة. وتجرعوا غصص الفترة الانتقالية لخائنها حمدوك، لم يلههم اللمع الكذوب، ثم قابلوا بحلوق جرَّحها الهتاف الرصاص المنهمر عليهم في عقابيل انقلاب البرهان/حميدتي ودورة حمدوك على نفسه في أكتوبر ٢٠٢١، دخل ومرق. ولما وقعت واقعة الحرب في أبريل ٢٠٢٣ خرج من صفهم مقاتلون يدفعون ضر الدعم السريع عن أهلهم بالبندقية ويدافعون، لله درهم. طال بولاء وصفّها بهذه البلايا التعليم الجامعي واستطال، ولم يدركوا ميس التخرج إلا في سبتمبر الماضي. شفشف الدعم السريع جامعة بحري التي تأتي ميزانيتها من وزارة التعليم العالي، بل والمدينة كلها؛ لكن قامت الجامعة كعهد وميثاق على العلوم بين أساتذة ودارسين وخريجين، بناؤها التضامن، أينما كانوا، في بورتسودان وكسلا وشندي وكوستي والقاهرة وجوبا. وهكذا أكملت ولاء وزميلاتها الدراسة وتخرجن وزغرد بهن الأمل، فبأي آلاء ربكما تكذبان. 

نظرت المرحومة ولاء مليا في انقلاب الحياة والموت وابتسمت ابتسامة عارفة زاهدة وهي بعد في الثانية والعشرين: "(...) ولا أريد الموت وقد ختمت ملذات الحياة رغم أن الله أمطرني بوابل عطاءه.. كل ما أري نفسي عليه هو فتاة أو امرأة تحت التراب لها من يحبونها كفاية ليؤانسوا وحشتي بالدعاء، تلك المحبة الساذجة دون أسباب، وأيضا تلك المحبة المسببة لأني فعلت الكثير أو القليل لشخص ما.. وعندما يودع الناس هذه الحياة بهلع أود توديعها بابتسامة عريضة."وقد كان، ودعت الحياة ولما تخض في ملذاتها إلا لمما، بابتسامة عريضة حفظتها قلوب أسرتها وأهلها وأصدقاءها وأناس لم يعرفونها أبدا، لكن بلغهم طيبها، انفتح باب ديرها بالموت، «فشممنا نفحة المسك من فم الشماس».  


أعانني في كتابة هذه الكلمة زميلات وصديقات للمرحومة ولاء، وعبرهن خال ولاء الدكتور فائز أحمد علي الذي تكرم بكلمة مسجلة وهو في مشاغل العزاء الذي قام في الرياض (السعودية). 


دولة الرئيس وانغ شن وي: الخائن الشهيد

$
0
0

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٥٦ بتاريخ ٢٨ نوفمبر ٢٠٢٤

ختم سلطان قصير لإمبراطور تولى العرش عام ١٩٠٨ في عمر العامين ألفي عام من التاريخ الإمبراطوري الصيني و٢٦٠ عام من حكم مينغ (١٦٤٤- ١٩١٢). وذلك يوم أصدرت الإمبراطورة لونغيو، الوصية على عرش الإمبراطور الصبي بويي ووالدته، إعلان تنحيه في ١٢ فبراير ١٩١٢. مثلت هذه الوقائع نهاية لعقد من الثورات والتمردات ضد السلطان الإمبراطوري وفي سبيل الجمهورية، بلغت الأوج في ثورة العام ١٩١١ المسلحة التي انتهت بتأسيس الجمهورية الصينية في ١ يناير ١٩١٢ وعاصمتها نانجنغ تحت رئاسة زعيم الحزب الوطني (الكومنتانغ)، صن يات صن. سرعان ما انشقت الحكومة المؤقتة التي قامت بمسؤولية الجمهورية كائتلاف بين الكتل السياسية المتناحرة. وأعلنت إحداها استعادة الإمبراطورية في ١٩١٥ ليسمي زعيمها يوان شيكاي نفسه امبراطورا. وكان يوان شيكاي هذا قائد جيش الإمبراطورية ورئيس وزراء دولتها حتى انقلابه عليها، وقامت الجمهورية في أولها عهدا بينه وبين زعيم الكومنتانغ صن يات صن. 

لكن لم تنجح هذه العودة بالتاريخ القهقرى، عارض الجيش خطة يوان شيكاي كما عارضه عموم الناس. مات يوان شيكاي في ٦ يونيو ١٩١٦ وكانت النتيجة فراغا تفتت فيه الجيش الإمبراطوري إلى كتل متنازعة على رأس كل منها أمير حرب طموح لا يبلغه ضعفه محل بلغ طموحه. وانقسم الحكم بالدرجة الأولى بين حكم الكومنتانغ في غوانغزو جنوبا وعاصمته نانجنغ وحكم الجيش الإمبراطوري السابق (البيانغ) في الشمال وعاصمته بكين. استطاع شيانغ كاي شك، خليفة صن يات صن على زعامة الكومنتانغ، هزيمة أمراء الحرب خلال الفترة ١٩٢٦-١٩٢٨ وتوحيد البلاد مؤقتا تحت حكومة مركزها نانجنغ، العاصمة الجنوبية للإمبراطورية البائدة.

كانت الإمبراطورية اليابانية خصما للجمهورية في الصين، وزاد شهيتها التوسعية ما شهدته من تبذل أمراء الحرب عند موائد الدول الغربية، فوق غرور طوكيو الفائق بتفوقها العسكري على دولة مينغ في الحرب الصينية اليابانية الأولى (١٨٩٤-١٨٩٥) التي كان موضوعها السيطرة على كوريا. وكانت اليابان سبقت الصين وغيرها من الجيران في جنوب شرق آسيا على سكة التحديث منذ أواسط القرن التاسع عشر في عهد ميجي الإمبراطور، ذلك من خلال إصلاحات تحولت بها اليابان بطفرة من مجتمع إقطاعي منعزل إلى دولة صناعية. ولذا استضعفت جيرانها واخترعت عقائد عنصرية تبرر هذا الاستضعاف وتشرع استحقارهم. 

مثلت الموارد الطبيعية والعمل الرخيص مصادر لنهضة اليابان الصناعية، وكان تأمين هذه الموارد بالإضافة إلى الأسواق المفتوحة لبيع منتجاتها وتثبيط كل نهضة مماثلة تخلق منافسين لها في الإقليم أولوية سياسية وعسكرية. لذلك، تصيدت اليابان الأسباب لشن الحرب على جارتها الصين، فاجتاحت منشوريا في ١٩٣١ وأنشأت حكومة عميلة لها في الإقليم، ثم عبرت القوات اليابانية جسر لوغو فوق نهر يانغدينغ في ٧ يوليو ١٩٣٧ مبررها البحث عن جندي ياباني مفقود في مدينة وانبنغ واشتبكت مع قوات الجمهورية إيذانا ببداية الحرب الصينية اليابانية الثانية (١٩٣٧-١٩٤٥). 

اجتاحت الجيوش الإمبراطورية اليابانية البر ثم الداخل الصيني الواسع الذي ابتلع خلال سنين الحرب ثمانية مليون جندي ياباني دون أن يستقر لهم ملك، فظل احتلال اليابان للصين ديان (نقاط) وكسيان (خطوط) دون أن ينفذ بسلطان، أزهقت في هذه المغامرة ٢٠ مليون من النفوس. كان هدف الجيوش اليابانية الأول السيطرة على العاصمة الجنوبية نانجنغ والجنوب الشرقي الغني أدنى حوش اليانغتسي، وقد تحقق لها هدفها. لكن، لم تنكسر المقاومة وتجددت في ووهان في الداخل بشوكة قومية ثم قومية وشيوعية.

نشأت في هذا التاريخ خطة ماو زيدونغ لتحرير الصين، وقال في تشخيصه عام ١٩٣٥ وقد احتلت اليابان منشوريا أن الصين ظلت لمئة عام تحت سيطرة شبه استعمارية تهيمن عليها عدة دول إمبريالية ولا تبلغ سوى شبه الاستقلال. وخطة اليابان تحويل كل الصين من شبه مستعمرة تتقاسم السيطرة عليها عدة دول إمبريالية إلى مستعمرة تحتكرها اليابان لنفسها. رفع حزب ماو، الحزب الشيوعي الصيني، وقتها شعار «الجبهة المتحدة» ضد الإمبريالية اليابانية، وقال الخيارات ثلاثة: المقاومة أو الاستسلام أو التردد بين الإثنين. 

وضح ماو أن العمال والفلاحين يطالبون بالمقاومة وكذلك البرجوازية الصغيرة فقد نهضت بين الطلاب والموظفين وصغار المنتجين حركة معادية للإمبريالية اليابانية وشارك طلائعهم في ثورة ١٩٢٤-١٩٢٧. ثم تساءل عن موقع البرجوازية الوطنية وملاك الأراضي والبرجوازية العميلة لرأس المال الأجنبي (الكمبرادور) وأجاب أن كبار الملاك والكمبرادور انحازوا مبكرا إلى الإمبريالية فالثورة من أي نوع وصنف أهون عليهم من الإمبريالية، وشكلوا بذلك معسكر «الخونة» الذين اندمجت مصالحهم والإمبريالية. أما الرأسمالية الوطنية فقد كان فريق منها حليف في ثورة ١٩٢٤-١٩٢٧ وغادرت الحلف الثوري خشية على مصالحها وقت اشتداد الأزمة. وميز ماو بعقيدته في الثنائية التي تشق كل واحد، الرأسمالية الوطنية، التي قال هي أقل إقطاعية من الملاك وأقل كمبرادورية من الكمبرادور، بين فريقين، فريق عظيم المصالح ورأس المال الأجنبي وملاك الأرض الكبار، وفريق قليلها. 

وقال هذا الفريق الثاني، قليل الارتباط برأس المال الأجنبي، سيرتبك، فهو من ناحية لا يحبذ الإمبريالية لكنه كذلك يخشى الثورة. ولذا شارك هذا الفريق في ثورة ١٩٢٤-١٩٢٧ ثم تحول في آخر الأمر إلى حلف الكومنتانغ وتحلل من عهده مع الطبقة العاملة. لكن لم يفز هذا الفريق من الرأسمالية الوطنية بأي مكسب يذكر، بل هدمت الإمبريالية اليابانية كل ما شيدته الرأسمالية الصينية من مصالح تجارية وصناعية وتركتها «مفلسة»، ولذلك الأقرب أن يلتحق هذا الفريق وإن تلكأ بصفوف «الجبهة المتحدة» ضد الإمبريالية اليابانية. 

في مقابل ماو وحزبه الثائر، قام الاحتلال الياباني فوق الشوكة الحربية على شبكة واسعة من «المتعاونين»، أغلبهم من حطام النظام السياسي القديم: موظفين سابقين في البلاط الإمبراطوري تقطعت بهم السبل، وضباط سابقين في جيشه تحولوا إلى أمراء حرب ثم وكلاء كما تيسر، وسياسيين تفرقت أحزابهم أيدي سبأ بقيام الجمهورية الموحدة في ١٩٢٨، ومنشقين عن الكومندانغ لم يجدوا المواقع التي أملوا فيها وقت قامت الجمهورية الجديدة في العام ١٩٢٨، ومغامرين وجدوا في الجيش الياباني مركبا نحو سلطان ما، وطيف واسع من المغتربين الصينيين «خبراء الصين»، محترفين للسياسة مجالهم الحيوي اليابان وحواضر جنوب شرق آسيا بخاصة في سنغافورة وماليزيا. 

نشأت من أخلاط من هؤلاء لجان للحكم وكيلة للاحتلال الياباني على أن تتشكل من هذه اللجان حكومة جديدة موالية لليابان تحل محل الجمهورية. تأسست فعلا في ١٤ ديسمبر ١٩٣٧ «الحكومة المؤقتة لجمهورية الصين» في بكين تحت إمرة جيش شمال الصين الإمبراطوري الياباني. وما إن سقطت شانغهاي ونانجنغ تحت الاحتلال حتى شكل الجيش الغازي، جيش وسط الصين الإمبراطوري الياباني، حكومة أخرى تحت إمرته في ٢٨ مارس ١٩٣٨، «الحكومة المعدلة لجمهورية الصين». ثم قامت عدة حكومات إقليمية أخرى في غوانغزو وفي ووهان حيثما سيطر الاحتلال وكانت النتيجة جهاز حكم خاضع للسيطرة اليابانية متعدد المراكز. 

وجد الغزاة اليابانيون ضالتهم في وانغ شن وي (١٨٨٣-١٩٤٤)، الذي بدأ سيرته في صفوف الكومنتانغ يتطلع إلى وراثة زعامة الحزب بعد صن يات صن. ولما مات الأخير في ١٩٢٥ حنق على خليفته شيانغ كاي شك وأعلن في ووهان حكومة مناوئة للجمهورية. ثم طلب ود الشيوعيين خصوم الكومنتانغ ولما فشلت مؤامرته تحول إلى عدو لدود للشيوعيين. وعندما اجتاحت الجيوش اليابانية الصين كان رأيه أن الصين أضعف من أن تقوى على مقاومة اليابان التي حققت بإصلاحات ميجي «التقدم» الذي عجزت عنه الصين الكسيحة، فلا طائل من الحرب ضد اليابان المنيعة، والأسلم طلب السلامة والتفاوض مع اليابانيين على أي اتفاق يحفظ «استقلال» الصين. انشق وانغ بآخر أمره عن الكومنتانغ بحزب يخصه في ديسمبر ١٩٣٨ وسلم أمره لليابانيين. وكان شرطه للتعاون أن تنصبه طوكيو رئيسا لحكومة تجمع شتات الحكومات. 

عليه، وحدت طوكيو بين جيوشها في الصين لينشأ عنها جيش استكشاف الصين في سبتمبر ١٩٣٩ وشكلت في ٣٠ مارس ١٩٤٠ حكومة ائتلافية برئاسة وانغ جمعت فيها كل «المتعاونين» معها، انحصر سلطانها بطبيعة الحال في المناطق الخاضعة للاحتلال الياباني. كانت مهمة حكومة وانغ هي تجريف المقاومة للاحتلال الياباني في الريف الصيني، إما بالإرهاب الدموي كما كان الحال في الشمال الصيني أو بتمكين الموالاة في أدنى حوض اليانغتسي الخصيب. 

نجا وانغ من محاولتي اغتيال، الأولى في ١٩٣٥ خلال اجتماع للجنة المركزية للكومنتانغ والثانية في العام ١٩٣٩ خلال زيارة له لهانوي وهو يبشر بالاستسلام لليابانيين. لكنه مات بالورم النقوي المتعدد، سرطان من أصناف السرطان التي تصيب خلايا الدم البيضاء، ذلك في العام ١٩٤٤ وهو يستشفى في اليابان، عام قبل انهزامها في الحرب العالمية الثانية، ودفنه أنصاره في جنازة مهيبة كشهيد. اندحرت اليابان في الحرب العالمية الثانية وفاز جيش الكومنتانغ باليد العليا في الصين أول الأمر فدخل نانجنغ فاتحا. فجر جنود الكومنتانغ قبر وانغ «الخائن» تفجيرا وحرقوا ما تبقى من جثته. وصدر تاريخ ساخر عنه في كراس عام ١٩٤٥ بعنوان «التاريخ الذميم للخونة» جاء فيه أن زهر البرقوق بكى حرقة عندما دفن وانغ في جواره. وكتبت صحيفة في شانغهاي أن روح صن يات صن استقبلت روح يانغ في العالم الآخر بهجوم شرس فطفق يبحث عن الحماية عند اليابانيين فلفظوه وردوه خائبا، وظلت روحه تهيم على وجهها لا تعرف لها مستقرا ولن تعرف إلى الأبد. 


اعتمدت في كتابة هذه الكلمة على مقال ديفيد سرفاس «التعاون وبناء الدولة في الصين: تعريف دولة الاحتلال، ١٩٣٧-١٩٤٥»، مجلة «الصين في القرن العشرين»، م ٤٧، العدد ١، يناير ٢٠٢٢، ص ٧١-٨٠؛ وكتاب ديفيد باريت ولاري شيو «التعاون الصيني مع اليابان، ١٩٣٢-١٩٤٥: حدود التسوية»، دار نشر جامعة ستانفورد، ستانفورد، ٢٠٠١؛ ومقال ماو زي دونغ «حول التكتيكات ضد الإمبريالية اليابانية» [١٩٣٥]، الأعمال المختارة، م ١، دار نشر اللغات الأجنبية، بكين، الصين، ١٩٧٥؛ ومقال جيريمي تيلور «من خائن إلى شهيد: دروس مستقاة من وفاة وجنازة وانغ شن وي، ١٩٤٤»، مجلة التاريخ الصيني، م ٣: ١٣٧-١٥٨ (٢٠١٩). 


بيرتس: لا هو من أهل الجمرة ولا واطيها

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٥٧ بتاريخ ٥ ديسمبر ٢٠٢٤

نشر المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية في أكتوبر الماضي «ورقة بحثية» للدكتور فولكر بيرتس، المسؤول الأول في «بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لتقديم المساعدة خلال الفترة الانتقالية في السودان (يونيتامس)» لخص فيها ما استفاد من مهمته في السودان لانتقالات قادمة تحت عنوان «انتقال السودان نحو الحرب وحدود المساعي الحميدة للأمم المتحدة». قامت البعثة التي تولى أمرها الدكتور فولكر بيرتس في يوليو ٢٠٢٠ على إثر طلب من حكومة السودان وانحلت ولايتها في فبراير ٢٠٢٤ بطلب من حكومة السودان. جمع بيرتس في كلمته الطويلة نسبيا، والمكتوبة بضمير الأنا، فعلت وتركت، للعارفة بهذا التاريخ القريب بين «مرافعة الدفاع» و«النقد الذاتي». وتمييز «ورقة بحثية» ربما مجاملة مستحقة لأكاديمي مخضرم وأستاذ للعلوم السياسية ومؤلف غزير الإنتاج شغل منصب مدير هذا المعهد لخمس عشرة سنة خلت (٢٠٠٥ ٢٠٢٠) قبل أن يتحول إلى دبلوماسي دولي. 

أول ما بدأ به بيرتس كلمته هو حساب العلل الباطنة فيها وحالت ربما دون تحقيق أهدافها الأربعة، فانتهت إلى مربع الحرب، ما يعرف في رطانة الأمم المتحدة بالتفويض ونصه: "المساعدة في الانتقال السياسي والتقدم باتجاه حكم ديمقراطي وتعزيز حماية حقوق الإنسان واستدامة السلام بما يستجيب للأهداف رقم ٥ و١٠ و١٦ و١٧ [من أهداف التنمية المستدامة، ولا تسألني ما هي؟]؛ دعم مسارات السلام وتنفيذ اتفاقيات السلام المستقبلية، بما يستجيب للأهداف رقم ٨ و١٠ و١١ و١٢ و١٦ و١٧ [من أهداف التنمية المستدامة]؛ تقديم العون لبناء السلام وحماية المدنيين وسيادة القانون، وعلى وجه الخصوص في دارفور وفي المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق) بما يستجيب للأهداف ٥ و١٠ و١١ و١٦ و١٧ [من أهداف التنمية المستدامة]؛ دعم إتاحة المساعدات الاقتصادية والتنموية، وتنسيق المساعدات الإنسانية من خلال ضمان نهج تكاملي لوكالات الأمم المتحدة والتمويل والبرامج المتاحين من خلالها؛ ومن خلال التعاون مع المؤسسات المالية الدولية، وبما يستجيب لجميع أهداف التنمية المستدامة." 

فصل بيرتس بين ثلاث مراحل لبعثته: الشراكة المدنية العسكرية حتى الانقلاب في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١، ما بعد الانقلاب، والحرب بين القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، وقال قدمت بعثته مساعيها الحميدة في دور الميسر والميسر الشريك بخاصة في مرحلة ما بعد الانقلاب وإن كان تفويضها لا ينطبق حرفا سوى على المرحلة الأولى. وترجمة ذلك أن البعثة انشغلت بما لا يعنيها بنص تفويضها. ثم أضاف أن البعثة لم تكن مفوضة ولا قادرة على «حماية المدنيين»، وإن توقع البعض بغير دليل أنها جاءت لتحل محل بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي المشتركة في دارفور (يوناميد). فشغلها بنص تفويضها وبممارسة المرحلة الأولى علاقات عامة، "سعت إلى بناء علاقات مع السلطات وأطراف سياسية واجتماعية فاعلة، وأطراف أخرى إقليمية ودولية، وساعدت الحكومة الانتقالية على تعريف أولوياتها بما في ذلك تطبيق خطة قومية لحماية المدنيين، والإصلاح القانوني، وبناء قدرات جهاز البوليس والقضاء والتخلص من الألغام. كما عملت جاهدة مع مجموعات النساء ومجموعات أخرى من المجتمع المدني وساهمت في دعم الحوارات بين المجتمعات." 

شاهد الوقائع لكن أن دور مسؤول البعثة الأول فولكر بيرتس لم يقتصر على العلاقات العامة، فقد كان وبعثته طرفا مؤثرا في الصراع السياسي المحتدم ما قبل الانقلاب في ٢٠٢١ وما بعده، وإن قال وكرر أنه محض ميسر لعملية سياسية يمتلك زمامها أمرها السودانيون. شرح بيرتس أن بعثته كانت فقيرة جدا بالمقارنة مع مليارات يوناميد وحشودها من القوات والموظفين، فلم تتجاوز ميزانيتها ٣٤ مليون دولار في العام ٢٠٢١ بجهاز بشري عدده ٣٢٠ موظف سوداني وغير سوداني بما في ذلك ٢٨ مراقب عسكري و٤٢ ضابط بوليس من غير السودانيين. 

سرد بيرتس بإسهاب ضمن تاريخ انتقائي للفترة الانتقالية تركيزه فيه على الأنواء السياسية أنشطة للبعثة كان هو بطلها احتسبها «مساعي حميدة»، وللتذكير ضمن تفويضها ما قبل الانقلاب وخارج تفويضها نصا ما بعد الانقلاب. قال تدخلت البعثة بإحسان لتيسير دورة من المباحثات بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان (شمال) جناح الحلو، وشاركت في تمويل ودعم أعمال اللجنة الدائمة لوقف إطلاق النار في دارفور، وهي ضلع من هندسة اتفاقية جوبا للسلام مسار دارفور. وقال دعت البعثة إلى «خفض التصعيد» في أعقاب انقلاب المدرعات وانشطار الحرية والتغيير فريقين ثم اعتصام القصر. وأضاف أن الجميع، عسكريين ورئيس وزراء وسياسيين في الحرية والتغيير وقادة الحركات المسلحة، استقبلوا هذه المساعي الحميدة بترحيب، بل حملوا البعثة ومسؤولها الأول رسائل لبعضهم البعض. أضاف بيرتس أنه توسل شخصيا القيادة العسكرية أن تعزف عن أي خطة انقلابية فالأمم المتحدة والفاعلين الدوليين الآخرين سيسمون الانقلاب انقلابا!

كتب بيرتس أن الانقلاب في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١ أنهى الشراكة المدنية العسكرية وأجهض الانتقال السياسي، ومن ثم لم يكن لبعثته غرض بحرف تفويضها، فأعادت تعريف أولوياتها وصارت «المساعي الحميدة» هي شاغلها الأساس. ثم عدد من بعد ذلك محطات لهذه المساعي: مشاورات حول العملية السياسية استمرت ستة أسابيع في يناير ٢٠٢٢، والآلية الثلاثية التي ضمت البعثة والإيغاد والاتحاد الإفريقي بغرض تشجيع الحوار بين الأطراف العسكرية والمدنية، ثم ورش العمل الخاصة بالاتفاق الإطاري. وقال بيرتس في هذا الصدد أن سياسيي الحرية والتغيير المجلس المركزي عبروا عن توقعهم أن تلعب الولايات المتحدة «دورا قويا خلف الكواليس» لإيجاد حلول للأزمة الماثلة، بحسبان أن شوكة الولايات المتحدة أعظم أثرا من الأمم المتحدة وسواها من الفاعليين الدوليين.          

فضل بيرتس أن يميز لنفسه دورا فوق دور بعثته فقال إنه شخصيا ظل على اتصال وثيق مع رئيس الوزراء حمدوك ومع البرهان وقادة الجيش. وقال أسر له البرهان في آخر ٢٠٢٢ خلال مشاورات حول الاتفاق الإطاري أن الوقت صار مناسبا لاستئناف الانتقال وفض الانقلاب. وقرظ تقريظا شديدا "المشاورات السياسية"التي قامت بجهد من البعثة وقال شملت ١١٠ اجتماعا مع أكثر من ٨٠٠ شخص، ممثلين عن المجتمع المدني والحكومة والأحزاب السياسية والحركات المسلحة ومجموعات النساء ولجان المقاومة وجماعات المال والأعمال، والمجموعات الرعاة، والنازحين والمنظمات السودانية في المهاجر وخلافهم، سمك لبن تمر هندي. لكن أعيت «الاصطكاكة» التي غلبت على هذه المجهودات بلاغته، فهذا الطرف رفض وهذا قاطع وهذا تمنع وذاك تشكك.. الخ. واختار أعمال نقابة المحامين والاتفاق الإطاري كأفضل ما خلصت إليه مجهودات عديدة فيها المتوازية وفيها المتناقضة خلاصة لكل ما سبق، فهي الأوسع والأشمل وإن قاطعتها الكتلة الديمقراطية ولجان المقاومة دع عنك "المؤتمر الوطني المحلول وطوائف أخرى ومجموعات ذات صلة بنظام البشير السابق."وللقارئة أن تتعاطف مع الدكتور بيرتس الذي قال أنه أصبح هدفا لتهديدات طالت شخصه في لحم ودم من «الحركة الإسلامية» بقيادة علي كرتي وعناصر أخرى ذات صلة بنظام البشير ما أن اقتربت ثمرة الاتفاق الإطاري أن تنضج في اتفاق نهائي أخير. 

عرض الدكتور بيرتس الخلاف حول «الدمج»، مقدمة الحرب، في صفحتين كأنهن انتزعن من تقرير لمراسل صحيفة أجنبية يتعرف لتوه على السودان لكن مجتهد. وأضاف أنه من موقعه كممثل للأمين العام للأمم المتحدة حذر مجلس الأمن من «توترات متصاعدة بين المكونين العسكريين» منذ بداية العام ٢٠٢٣، وطلب من دولتين، لم يسمهما، التدخل بإحسان للتوسط بين قائد الجيش وقائد الدعم السريع. ثم جاء بروايات ثلاث عن "الطلقة الأولى"وظنون حول كل رواية، بعضها من «قوالات» ضباط معاشيين. انتهى هذا القسط من كلمة الدكتور بيرتس بأن قفز من ظله فانتقل من ضمير الأنا الذي التقى به البرهان وانخرط في مشاورات مع الأطراف وحذر مجلس الأمن إلى ضمير الغائب فقال عن نفسه وبعثته: «لم يؤد غياب رئيس البعثة عن السودان ونزع الاعتراف به من قبل أحد الطرفين المتحاربين إلى القضاء على وظيفة يونيتامس في المساعي الحميدة وإن أقعدت بها."ويلههم الأمل.  

ما العبرة إذن؟ انتقل الدكتور بيرتس في باب الدروس والعبر إلى مقعد التصحيح، فالمجتمع الدولي هو الذي فعل وترك، أما البعثة ورئيسها فصحيفة من «المساعي الحميدة». قال أساء المجتمع الدولي تقدير بأس القوى المعارضة للانتقال السياسي، وعين الإسلاميين وأطراف أخرى ذات صلة بالنظام السابق، ثم قال كانت البعثة فقيرة قليلة الموارد وانتهى إلى أن التوقعات المنتظرة من البعثة فاقت قدراتها، ثم ختم بتقريظ أخير فكتب أن تجربته شاهد على قدرة بعثة سياسية صغيرة نسبيا على التلاؤم وبيئة متغيرة ووقائع غير منظورة. 

انعقد منطق كلمة الدكتور بيرتس على تناقضين إثنين، فهما الخيط الناظم لتحليله وقوام عقيدته، الأول بين العسكريين والمدنيين، والثاني بين مدنيين مساندين للانتقال الديمقراطي وآخرين معادين له، ثم تقاطع هذا وذاك حتى صفى عنده مربع من المدنيين المساندين للانتقال الديمقراطي، هم حزب الخير الذي يستحق رافعة يونيتامس والمجتمع الدولي وما زال، حزب طرد منه «الشارع» ولجان المقاومة وقوى أخرى لم يهضمها. لكن غاب عن الدكتور بيرتس أن يأخذ من تجربته وما شهد بالقناطر المفتوحة بين مربعات هذه الخريطة الذهنية أو ربما إعادة رسمها، فعلة يونيتامس ورئيسها بالزبط في العجز عن التلاؤم مع بيئة متغيرة وظروف غير منظورة، عكس ما إنك. تقدم الدكتور بيرتس لوظيفة رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة في السودان لما رأي في نفسه من كفاءة لمهمتها ونال الوظيفة وكسب أجرها وفوائدها، وكان طرفا فاعلا عالي الصوت كثيف الحضور في صراع انتهى بالحرب وتقع عليه مسؤولية ردها في آخر كلمته إلى ضمير الغائب. وليس ثمة محكمة للمسؤولية السياسية يكمن أن يجرجر إليها تربال في بحر أبيض مثل الدكتور بيرتس. ولا يقرأ التربال انجليزية الدكتور بيرتس الناصعة في مرافعته عن نفسه. وليس الدكتور بيرتس هو الطرف الذي يستحق المناقشة والحوار حول مستقبل السودان، حربا أو سلما، في ساعة الضيق والعنت هذه، فلا هو من أهل الجمرة ولا هو واطيها. لكن، ربما قرأ الدكتور ضمن ما قرأ وهو محسن للعربية الآيتين الأخيرتين من سورة الزلزلة: «فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ».


مدن من هذا الخيال المشترك

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد  ٦٠ بتاريخ ٩ يناير ٢٠٢٥

إبراهيم عوض: نحيي الاخوان الذين أتوا إلينا من كوستي إلى أم درمان. لهم التحية. ونيابة عن العريس. لمشاركتهم لينا هذا الحفل الجميل الصغير المتواضع. وكما علمت طبعا إنو الأخ بشير صاحب أغنية «سلوى» من أبناء كوستي. بالنيابة عنهم أنا أتقدم بأغنية «سلوى» لأنهم من ناس كوستي طبعا.

الجمهور: أوووو

إبراهيم عوض: شايف، العنصرية ظهرت أهي! ها ها ها... نغني أغنية «سلوى» إرضاءً لخاطر أخوانا وأخواتنا لأنهم بكرة طبعا بكرة حيسافروا بكرة لي كوستي. 

الجيتارات والجمهور: تا ررررم، ورا، تا ررررم، ورا...

والكمنجات والترومبيت.


إبراهيم عوض: وووو، وووه... حاجة تمام. 

ويغني الفنان الذري «سلوى» لصاحبها بشير عبد العال، الشاعر والملحن والمطرب، من أبناء كوستي، والأغنية معروفة. 

قدر المرحوم إبراهيم عوض في مقدمته لأغنية «سلوى» في حفله يومها في بقعة أم درمان أن لأهل المدن عنصرية، هي بعض ولاءهم للجغرافية الاجتماعية التي هي مدينتهم، عنصرية يضحك بها المتحدث ويسلخ النكت، تظهر للعلن في تقاطع الدروب بين مختلفين. ومن ذلك ما قام في الحفل بين أهل العريس وجماعته من كوستي وقوم العروس في البقعة من تفاخر وكيد بالأماكن. وهي بذلك ليست عنصرية من حيث المحتوى لكن تعزيرا كما في اصطلاحنا «أخدر»، عنصرية أو قل عصبية خضراء. تقع القارئة على مثلها في جنس كتابي قوامه ذكريات المدن في الصحف السيارة يضم بالضرورة إعلانا مثل "كوستي مدينة استثنائية". 

وكل مدينة بقياس المحب استثنائية، فعند طارق عبد الله الريح (جريدة الصيحة، ٢١/٨/٢٠٢٢): "وحقيقة مدينة كوستي تعج بالمبدعين من فنانين وشعراء وأدباء وموسيقيين والحلة الجديدة معقل الفن والإبداع الفنان الجميل الخلوق هاشم محمد إسماعيل والنور عبدالعال وبشير عبدالعال والموسيقار الراحل حمودة عبدالباقي والموسيقار الراحل عبدالله عمر الشهير باسم عبد الله بيز والموسيقار الراحل الأستاذ قمر حمودة والموسيقار العظيم الراحل الأستاذ إبراهيم الجاك والموسيقار عمر حسن محمود عمر كوستي والموسيقار الفخيم الأستاذ هاشم أحمد سالم والراحل عبدالرحمن يوسف والفنان الراحل عادل فراشه والموسيقار الراحل علي الحريري من أمهر عازفي آلة الأكورديون وأستاذنا الموسيقار الفخيم الخلوق محمد علي حسين زمبا أستاذ الأجيال والمربي الفاضل والموسيقار محمود عثمان يابس وشقيقه التجاني عثمان يابس والموسيقار عامر شاويش والموسيقار الجميل بشرى بشير أيقونة الوسط الفني بكوستي والموسيقار الراحل أستاذنا رمضان أبوجي والموسيقار الجميل طارق عبدالرحيم عازف الجيتار المميز ورفيق دربه الموسيقار عادل عوض الله والموسيقار حيدر عوض بوب والموسيقار الدكتور محمد العصامي عوض والفنان عادل صديق وأشقائه عبدالله صديق وعمر صديق والموسيقار الفخيم حسن التوم والموسيقار عبدالمنعم ترنتي والقائمة تطول."

وستجد القارئة عن كل «قرية» باللفظ القرآني مثل هذا البذل "الفخيم"بعبارة كاتب كوستي، يطرى فيه الحبان بسليقة انسيكلوبيدية على طريقة «موسوعة القبائل والأنساب في السودان وأشهر أسماء الأعلام والأماكن» للمرحوم عون الشريف قاسم أو إن طلبت نسبا أقدم «طبقات ود ضيف الله في أولياء وصالحين وعلماء وشعراء السودان»، وإن خلت من تبويبهما. إلا أن عناصره الزهو الحضري بالفنانين والأدباء والمدرسين والموظفين وغيرهم من أعلام الحضر. وهنالك من أحسن فأخرج تاريخا غير مدرسي أو تاريخ روائي على ذات النسق أو ما يشابهه، فتقرأ من المرحوم الدكتور سعد محمد أحمد سليمان «الخرطوم عبر العقود: النشأة والتطور ١٨٢١ ١٩٧٠» (دار السداد، الخرطوم، ٢٠٠٦)، ومن الأستاذ أحمد عبد الوهاب محمد سعيد «الخرطوم أيام زمان: ذكريات وخواطر عن الخرطوم» (منشورات الخرطوم عاصمة للثقافة العربية، الخرطوم، ٢٠٠٥)، وعند شوقي بدري «حكاوي أم درمان» (الشركة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، الخرطوم، ٢٠٠٩)، وعند محمد فقير «نوافذ على الأمس» عن جزيرة بدين ونواحيها (دار عزة للنشر، الخرطوم، ٢٠١٦)، وعند الدكتور عون الشريف قاسم «حلفاية الملوك التاريخ والبشر» (دار جامعة أم درمان الإسلامية للنشر، أم درمان، ١٩٨٨) وعند أمير تاج السر «مرايا ساحلية: سيرة مبكرة» عن مدينته بورتسودان (المركز الثقافي العربي، بيروت، ٢٠٠٠)، وغيرها كثير. 

انتقل هذا الجنس الكتابي في عصر الإنترنت ما قبل الفيسبوك إلى منصات للدردشة على مثال سودانيزأونلاين، ثم بعد أن حل الفيسبوك وسكن إلى مجموعات بعناوين مثل «صور ووثائق وحكايات كوستي القديمة والتاريخية» أو «ملتقى أبناء البسابير» أو «ملتقى أبناء وبنات قرية الحليلة الحلاوين». وهو تحول في الهيئة تضمن محتوى يطابق صيغ تنظيمية سلفت مثل «نادي ومجمع أوسلي بأم درمان» أو الروابط المشهورة في الجامعات على صورة «رابطة أبناء عديلة بالجامعات والمعاهد العليا». 

من ثمرة هذا الجنس الكتابي أنه يكشف للقارئة طرفا من «آيديولوجيا» الحياة اليومية في المدينة بمنظار عصبية خضراء، ففيها تقع على خيال وانحيازات وتفضيلات ومنتخبات محكية في صيغ تلامس الأسطورة البطولية من نسيج التاريخ الشفاهي مما يرويه الناس عن أنفسهم ويتحور مع الزمن وتعدد الرواة. ومزج أمير تاج السر كما شوقي بدري في تواريخهما الروائية لبورتسودان وأم درمان هذه المحكيات مزجا إبداعيا وذكرياتهما الشخصية لا يفسد للتاريخ غير المدرسي مسألة، بل يثريه، لأن قضيته سوى الوقائع تاريخ الخيال. لذلك ربما، شبه هلال زاهر الساداتي في مقدمته للطبعة الثانية لكتاب شوقي بدري «حكاوى أم درمان» الكتاب بشغل مارك توين في «مغامرات توم سوير» و«هكلبري فن»، وكتب أحمد عبد المكرم في مقدمته لذات الكتاب: "وتظل في النهاية مثل هذه الكتابات تؤكد أهميتها الأدبية لما تحمله من قيمة معرفية، غاية في الأهمية، عن دقائق التكوين النفسي والمزاجي والسلوكي وحتى نمط الذهنية وآليات التفكير في شخصيتنا الوطنية، ذات المرجعيات المتعددة ثقافيا وحضاريا."

تجد القارئة إذن في هذه المصادر عرضا للعصبية الخضراء التي أضحكت إبراهيم عوض، عصبية تفتقت في أوار ثورة ديسمبر عن «لجنة المقاومة» ست الاسم، ثم في ساعة النزال الحربي، والرؤوس تدور، عن الحمية التي وقفت بها فاشر الميرم عصية بعبارة مقاتليها، ستالينغرادية في وجه حصار وهجوم الدعم السريع المستمر لشهور متطاولة على الحي والميت. ومن عافت القتال وقد وقع تجد ذات الحمية تثير بسالات نادرة لمثل فريق الكهرباء الذي استعاد النور في سنار وسنجة غصب كي، لا من ولا أذى؛ وأطباء مستشفى الأبيض التعليمي وعلماءه، أمل خليل محمد والدسوقي حسن حميدة وأحمد ميرغني علي وحسين أحمد، الذين وجدوا فسحة في أنفسهم تحت القصف أن يدرسوا بالكشوف المعملية والإحصاء خلال أغسطس ٢٠٢٤ الزيادة في أعداد مرضى السل وأجناسه وخرج شغلهم في ورقة علمية محكمة في مجلة كوريوس (م ١٧، ع ١، يناير ٢٠٢٥)؛ وجراحي مستشفى النو، أمين ياسين ومؤمن محمد ومعتز حامد، الذين شمروا بعد غسيل بموية الجركانات وقد انقطع ماء الماسورة تحت القصف المدفعي ودانات الهاوتزر، عن حذق جراحي أسعفوا به رضيع في عمر ثلاثة أشهر بعيب خلقي نادر نشأ به طرف يشبه الساعد في غير موقعه، من ظهر الطفل عبر خرق في العمود الفقري، وبذلوا شغلهم لزملائهم عبر العالم في «تقرير حالة» محكم في «المجلة الدولية لتقارير الحالات الجراحية» (م ١٢٦: ١١٠٦٨٣ (٢٠٢٥)). لذلك، ظلم أهله كل الظلم من نسب هذه العصبية الخضراء التي ترى بها المقاتلة في الفاشر سلطانها بطل كل زمان ومكان وطبيب الأبيض مدينته جلاء كل نظر وجراح النو بقعة أم درمان أم القرى سقم فلولي بالسلطة وخلصت الحدوتة. وطرف العلة أن بعض من اعتلى منصة السياسة خلو من هذا الخيال المشترك. أما صاحب «سلوى» فعلى حبه، يشكو ولا يسلو، يشد أوتار الكهرباء على حرف «قلبي شن سوى».

وعيون الشيخ أغمضن على حلم به كون كبير

$
0
0

رحل عن عالمنا إلى دار البقاء في ٢٩ مارس من العام ٢٠٢١، وقد مرت ذكراه منذ أيام، الدكتور التجاني، من نهل من كؤوس العلم والأدب حتى ثمل ورطن فتعسر في كثير من الأحيان على الجاهل إدراك صفاء معانيه. وكان شيخ التجاني حبرا بحق. لزم كتاب نفسه فنضى عنه الحجاب وكل درن وأدرك ببصيرة نافذة ما تراءى لغيره شبحا من خيال. 

كان المرحوم التجاني مدرسة للتعريب، وأحسن في حياته لغات عديدة، فالعربية داره وسكنه الأثير، والانجليزية التي تعلمها في المدارس تروس يديرها كما يشاء، والروسية التي أحسنها يافعا وتوطن فيها هي من ينابيع شاعريته، والإيطالية التي تعلمها شيخا نفذ بها إلى أقاليم شعرية وأدبية جديدة جدد بها فطنته الأكيدة. وأحاط كل ذلك بفصاحة أهله، ثمرة الحياة اليومية، فكان قاموسا للدارج الفصيح يعود بعسيره إلى أصوله في القريحة العربية ويستنجد به لفك طلاسم أدبيه في لغات أخرى. وكانت هذه المشكاة تتقد في قلب شيخ تجاني بالتنقل بين اللغات، من كل بستان زهرات، فتتحول روسية آنا أخماتوفا بنور مشكاته عربية خالية من العجمة، وتتكشف بنور فطنته أسرار أميلي ديكنسون التي دستها صاحبتها في أغلفة من شعر كثيف، وتنقلب انجليزية شكسبير بقنطرة روسية إلى عربية من مربعات إلى الدوبيت أقرب. 

تفرغ المرحوم الدكتور التجاني دهرا لتعريب سونيتات شكسبير وهي جنس خاص وقام بهذه المهمة وآخرون في سمنار دوري كان ينعقد كل جمعة، كان لكل من شارك فيه دوحة في خرطوم انخبلت بالاستهلاك وكرير بطنه الخالية أبدا، بيرغر في ساونا في هوت دوغ في شيكات طايرة. وكان للمرحوم التجاني صبر العارفين على حرث مثل هذه المعرفة العسيرة وصبر أعظم على المستعجلين على تفسير وإعادة تكوين جمل شعرية من القرنين السادس والسابع عشر لا يتكشف نصها بالنظرة الأولى. وألف وليم شكسبير (١٥٦٤-١٦١٦) السونيتات وعددها المحفوظ ١٥٤ على فترات متباعدة جرى نشرها كاملة لأول مرة في كراس تام عام ١٦٠٩ بحياة شاعرها، وتدخل في باب الشعر الغنائي من تقليد يعود إلى القرن الخامس عشر. ولها هيئة ثابتة، ١٤ سطر،  كل سطر من عشرة مقاطع صوتية، مقسمة إلى ثلاث مربعات وبيتين من الرجز. ومن أسرار سونيتات شكسبير التي شغلت النقاد وشغلت كذلك المرحوم التجاني «السيدة الداكنة» أو «السيدة الخدرا»، فهويتها ملتبسة، وقال البعض ربما «عربية». وتظهر «السيدة الخدرا» في السونيتات ١٢٧-١٥٢ ولؤلؤتها السونيتة رقم ١٥١، ألا رحم الله شيخ التجاني: 

السونيتة ١٥١

الهوى صبي لا يعرف وخز الضمير.

لكن، من ذا الذي ينكر أن الضمير وليد الهوى؟

فلا ترميني بالمذمة أيتها المخادعة الأنيسة،

رميتني بما فيك من الداء.

فإن خنت عهدي

فقد خان مني اللحمُ مضغة نبيلة.

تروم روحي من جسدي الانتصار في الحب،

واللحم لا يتعلل.

يهب قائما عند سماع اسمك

ويشير نحوك، 

يهلل وقد فاز بالغنيمة، يفاخر،

وقد أذله الكدح من أجلك.

ينتصب في شأنك،

وينبطح على صفحتك. 

لا أدعوها حبيبتي لعجز في الضمير، 

فلحبها الغالي أقوم وأقع. 


نـوتـة من عِـلْـم الكُـوْنِـكا (١-٥)

$
0
0

 أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

...

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع! 

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة.

       من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.


 

[1]

لَمْ يأتِ بعِلْم الكُوْنِكا مثل الدكتور ت. عبده مالك عالم سيمون، الأنثروبولوجي الأميركي الأسود المسلم، الذي زار السودان أول التسعينيات مستشاراً للحركة الإسلامية الحاكمة. وكانت مَهمّته أن يستخرج بالدراسة الباطنية «خطّة للإخاء بين المسلمين وغير المسلمين في عشوائيات الخرطوم» يُخضع بها للسلطان هذا الحزام الخطر؛ حزام الشقاء العريض المحيط بها والداخل. لكنْ تَحرَّر الدكتور سيمون من عبء الاستشارة كما وقع عليه، وخرج بكتاب فحل في علم الكُوْنِكا، هو كتاب وحيد في مكتبة الدراسات السودانية: «على صورة من؟ الإسلام السياسي والتجربة الحضرية في السودان» (دار نشر جامعة شيكاغو، شيكاغو/ لندن، 1994). انشغل سيمون في كتابه بالكشف عن السيوف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسيكولوجية التي فتكت بالجسوم الفردية لفائضٍ عظيمٍ من السكان في عاصمةٍ يرنو قادتُها من البرجوازية الصغيرة إلى الطهارة الإسلامية؛ فائضٌ لا موقع له في الاقتصاد الإنتاجي إلا بحسبانه جيش احتياط مهمّته أن يقوم معاملاً لخفض سعر قوة العمل. 

قضى سيمون عامين إلا قليلاً في الخرطوم، وطرح في كتابه التساؤل عن الكيفيات التي يُحاول بها مجتمعٌ أفريقي إقامة نظام اجتماعي فعّال، بخاصّةٍ ما يلي ألغام العلاقة بين التنمية الاقتصادية وبيضة الدِّين؛ العلاقة التي قال عنها الإزيرق المرحوم كارل ماركس في «البيان الشيوعي» (1848) وهو يشخّص ما يطرأ على المجتمع بسِنَان السوق الرأسمالي: 

«لعبَت البرجوازية في التاريخ دَوراً ثورياً تماماً. فحيثما استولت على السُّلطة حطّمَت جميع العلاقات الإقطاعية والأبوية والعاطفية. ومزّقت بلا رأفةٍ جميع العلاقات المعقّدة المتنوّعة التي كانت تشدّ الإنسان الإقطاعيّ إلى مَن هُم طبيعياً أعلى منه مقاماً، لكي لا تُبقِي على أية علاقة أخرى بين الإنسان والإنسان سوى المصلحة الصِّرفة والإلزام القاسي بـ «الدفع فوراً». لقد أغرقت أقدس انفعالات الوجد الدينيّ والحمية الفروسية ورقّة البرجوازية الصغيرة الرخيصة في صقيع الحساب الأنانيّ، وحوّلت الكرامة الشخصية إلى مجرد قيمة تبادل. وأحَلَّت حرية التجارة الوحيدة والغاشمة محلّ الحريات العديدة المعترف بها كتابةً والتي انتُزعت بأغلى التضحيات. وباختصار، فقد استبدلَتْ بالاستغلال الذي كانت تموّهه الأوهامُ الدينية والسياسية، استغلالاً صريحاً وقحاً مُباشراً ووحشيّاً. لقد جرّدت البرجوازيةُ من هالتها جميعَ ألوان النشاط التي كانت حتى ذلك الحين مُجلّلةً بالوقار وتُحاط باحترام مُقدّس. فالطبيب والقانوني والكاهن والشاعر والعالم جعلتهم جميعاً أُجَراء في خدمتها. لقد مزّقت البرجوازية الحجاب العاطفي والتأثر الذي كان يغطّي العلاقات العائلية واختزلتها إلى مجرد علاقات مالية» (ترجمة العفيف الأخضر، منشورات الجمل، بيروت/ بغداد، 2015، ص 61-62). 

سَحَر الدكتور سيمون من خير الأهل، حتى في حَضَرهم الخرطومي، أنهم لم يخضعوا بعد تمام الخضوع لسِنَان السوق هذه، ولم تتملّك نفوسهم العقيدة الرأسمالية بالكلّية، بل ظلت عناصر من حياة أخرى، زمان آخر، حيّةً بينهم تردُ عنهم نوائب الاختراق الرأسمالي كفاحاً. وفسَّر جانباً من جذب الإسلام السياسي على أنه تدثّر بأطرافٍ من ثقافةٍ غير غربية وزمانٍ غير غربيّ في مواجهةِ ما ليس منه بدّ؛ في مواجهة «ابتلاء» الحداثة بعبارة الدكتور حسن الترابي. وكتابُه في جانبٍ عظيمٍ منه تشخيصٌ لتبعات المهمّة المستحيلة التي تولّت كِبْرَها الحركةُ الإسلامية في مجتمعٍ أفريقيّ هجين، أن تُخضِع المجتمع السوداني لقانون الرأسمالية الفولاذي «عندك شيل ما عندك خت» وتحتفظ ببيضة الدِّين سالمةً، وإن لم ينطق صراحةً بهذا المعنى. فكتابه بهذا التصوّر أنثروبولوجياً للهُجنة في حضرٍ قاس، اقتصاداً واجتماعاً. ولم تنجح الحركة الإسلامية في هذه المهمّة ببثّ التقوى والسلام. قامت مساجد جديدة نعم، لكن تقاصَر ظلُّها عن ستر عورة الفاقة العظيمة من نصيب البروليتاريا الرثّة، جيش الاحتياط العظيم الذي يتكئ عليه الاقتصاد الإنتاجي ولا يستوعبه. 

صَدَق الدكتور سيمون في تعريفه الخرطوم التاريخية، الخرطوم التي عافها المهدي، أنها مدينة تجّار وسماسرة. وانتبَه بفطنة الغريب إلى ما يشغل أغلب وقت أهلها، فقال: «النشاط الغالب في الخرطوم هو رعاية العلاقات الاجتماعية». وقدَّر في تعريفٍ سليمٍ أنّ هذا النشاط الدائب من الزيارات والمجاملات؛ من بيت بِكَا لي بيت عرس لي عَزُومة لي قَعْدات الأمسيات، هو سبيل أهل العاصمة، فقيرهم وغنيّهم، للغَرْف من موارد وفرص شحيحة. فهذه هي المواقع التي يَسحب منها المجتهدُ عُملة «الواسطة» ليصرفها في الحصول على وظيفة، شهادة، رخصة تجارية، استثناء جمركي، إعفاء ضريبي، قرض صغير أو كبير، عطاء، وهو بهذا المعنى «نشاط اقتصادي» وليس تزجيةً لأوقات الفراغ. «يبدأ العمل في حوالي الثامنة صباحاً، ويشمل يوم العمل فسحة للفطور حوالي العاشرة. وتتبعه وجبة أخرى بين الظهر والواحدة. ويبدأ العاملون زحفاً طويلاً نحو البيوت بين الثانية والثالثة ظهراً. وليس للخرطوم حافلات نقل كافية لساكنيها من العاملين. ويصبح بذلك التزاحم في الحافلات وعبر نوافذها وعلى أسطحها طقساً يومياً». ومَن لا يجد طرفاً مِن حَبْلٍ إلى داخل هذه الشبكة سَقَط في فراغٍ اجتماعيّ وتقلّصت فُرصُه بالنتيجة. 

لم يعتمد الدكتور سيمون الماركسيةَ بحرفٍ ظاهرٍ في شُغله، لكنه التقَط بعينِ صقرٍ التمايزاتِ الطبقيةَ التي يُكابد أهلُ هذه القرية بين مترفين ومعدمين، وميّز المضاربةَ في العُملة الأجنبية الواردة إليها من حصاد شغل مغتربيها، بأنها بابٌ عظيمٌ للتراكم، إلى جانب هياكل شبه إقطاعية في الإنتاج الزراعي. وقال صار «الاغتراب» بوجهٍ أو آخر سياسةً حكومية، فالدولة تستثمر في التعليم لتُنتج «مغتربين» صالحين للعمل في دول الخليج العربي بالدرجة الأولى، ومداخيل هؤلاء تمثّل قسطاً مُعتبراً من حصيلة الدولة من النقد الأجنبي، بينما يتدهور أي شعور بالعمل المُنتَج داخل البلاد بسبب اللهاث الدائب الذي يَسِمُ هذا النشاط، الساعات الطويلة في المواصلات بين مواقع العمل والسكن، وصفوف الانتظار الممتدّة للخدمات والسلع الأساسية، دَعْ عَنك السّعي المُضني بين المكاتب الحكومية لقضاء حوائج بيروقراطية تتناسل بعضُها من بعضٍ كالطفيليات؛ مِن إذْن وتصديق وشهادة وتوثيق. وخَلُص إلى أنّ تثبيط الشعور بجدوى أيّ عملٍ مُنتَج تبعه كذلك تحوّلٌ في تعريف ما هو «مُنتَج» بالفعل، مِن «المهندس الرَّسَم البُنَا» إلى «راجْل المَرَة الحِلو حَلا»، أيْ مِن «مَن كَدَّ وَجَد» في ظهر كرّاس المدرسة ذاك إلى مغامرة «اقتصاد الشَّلِب». كما تأمَّلَ مليّاً في الزيادة المُطّردة في قيمة الأرض بالمقارنة مع قيمة العقار، الأمر الذي أدّى إلى تسارع التدهور العقاري في مركز العاصمة وازدهار البناء في مواقع طرفية قليلة السكّان نسبياً لأغراض تجارية، فترتفع أسعار الإيجارات، ما يدفع بأعداد متزايدة من الأسر إلى هامش المدينة الأقصى. وسجَّل ما هو معلومٌ من أنّ بَيْن مُلّاك البيوت قليلي الحيلة مَن انتقل للسكن في مواقع طرفية ليعيش من إيجار داره الحضري. 

خَلُص الدكتور سيمون إلى فاعليّة عمليّتين متناقضتين؛ فمن ناحيةٍ، تجرف الغابةُ الحضريّةُ العلاقاتِ الاجتماعية؛ منجم الموارد والفرص، ومن ناحيةٍ أخرى يبذل الناسُ جهوداً جبّارة لحفظها عبر صيانة الولاءات الموروثة، سواءٌ أكانت الأهل أم القبيلة أم الطريقة الصوفية. لكنْ تتحوّل هذه الروابط بدوران هذا الديالكتيك إلى صيغ مبتسرة مِن الذي كانت عليه. وفاعليَّتها لم تعد كامنة فيها أصالةً، وإنما آزِرة تعويضية في غياب صيغ بديلة. لذلك لم يعد الشباب من الناس يؤمنون بقدرة النظام الاجتماعي على تيسير شؤونهم وتحقيق رغباتهم في النجاح الفردي. لكن لا يجدون بُدّاً من مسايرته؛ مسايرة الهياكل الأسرية التقليدية لبلوغ الموارد التي لا بدّ منها بِيَد هذا العمّ في البوليس وتلك الخالة في إدارة الجامعة. وهذه المُسايرة هي ما يَحُول بينهم وبين فوضى يهابونها: شطّ الكُوْنِكا.

 

[2]

فما الكُونِكا إذن؟ تَجمَع اللفظةُ، في أغنية القونة المشهورة، بين دلالات المكان والوظيفة والحال، وهذا مصدر بلاغتها، فهي موقعٌ كبيرٌ لتجميع مياه الصرف الصحي جنوب الخرطوم جوار حي مايو. وكان الحي - منذ نشأته في حوالي 1970 في خلاءٍ خالٍ من الجِيرة جنوبَ ما كان يُعرَف بـ«الحزام الأخضر» سوى قرية عِدْ حسين - ملاذاً لطالبي المأوى ممن تقطّعت بهم السبل في بطن المدينة. 

قام حي مايو أوّل أمرِه، كما قامت ديوم الخرطوم في عصرٍ سلف، فوق النّزع الجبريّ على موزاييك قومي/ لغوي؛ ففيه حي قُورُو، وحي تِبن، وحي عرب، وحي مساليت، وحي نوبة، وحي فور، وحي القرعان، وحي فلّاتة. واستمرّ «عشوائي» لمّا يكتمل تخطيطه السكني، ولمّا يخترقه سلطان الدولة بحقّ، حتى اليوم، تكتظّ في مساحته المحدودة بأربعين كيلومتراً مربعاً حوالي مليون نفْس بحسب الإحصاء السكّاني لعام 2008. 

ونشأت في حي مايو أول مدرسة ابتدائية في العام 1973، ثم تلتها أخرى، وظلّ هذا حاله حتى العام 1989. ثم تولّت منظّمة الدعوة الإسلامية أمر التعليم فيه صدَّاً للتبشير المسيحي وتعميراً لإخاء «إسلامي» في حزام الخطر هذا؛ المهمّة التي شارك فيها الدكتور عبده مالك عالم سيمون مستشاراً، فتوسَّع التعليم المدرسي حتى صارت المدارس حوالي الستّين مدرسة (الانتباهة، 5 أكتوبر 2021). ومن هذه المهمة خرج الدكتور سيمون بكتاب تناولنا بعضاً من درسه في الحلقة الأولى من هذه السلسلة.

اجتمعَت في مايو نفوسٌ من مصادر شتّى، الجامعُ بينها أنها فائضٌ بشريّ في مدينةٍ شحيحة الموارد، رصَد منها الدكتور كمال محمد جاه الله الخضر (مركز البحوث والدارسات الأفريقية، جامعة أفريقيا العالمية) ضمن عمل ميداني في العام 2008/2009: عمّال المنطقة الصناعية الخرطوم الذين كان يأويهم كرتون الخرطوم 3 جهة الصهريج في شارع الغابة؛ عشش فلاتة الذي صار بالإعمار الجديد حي النزهة، كرتون سوبا الكبير والذي كان يضمّ العمالة المهاجرة التي جرى تشغيلها مؤقتاً في تشييد مباني مستشفى سوبا الجامعي والأبحاث البيطرية وكلية علوم الغابات والمراعي ومرافق حكومية أخرى في مواقع أخرى في العاصمة وجرى ترحيلهم إلى مايو في 1972؛ كَمْبو بُرّي الذي كان يضمّ عمّالاً في الهيئة القومية للكهرباء؛ متفرّقين من عشوائيات نشأت في جهة سباق الخيل واللاماب.

كذلك توسّع حي مايو أيّما توسُّع بالنازحين من الجفاف والتصحّر الذي أصاب إقليمَي كردفان ودارفور ضمن جفاف حزام الساحل في 1983-1985 والحرب المتطاولة في جنوبي السودان وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق ودارفور، فانضمّ إلى فائض الحضر فائضٌ أعظم من الريف الحربي إلى جانب أقوام مهاجرين من أقاليم حربية مجاورة، من يوغندا وأفريقيا الوسطى والكنغو الديمقراطية وتشاد. رصَد الدكتور كمال محمد جاه الله الخضر، وهو عالم لسانيات، بين مجتمع مايو حوالي 99 جماعة قومية، و60 لغة (منها 7 من مجموعة وسط وغرب أفريقيا، 28 من مجموعة جبال النوبة، 5  من المجموعة الدارفورية، 11 من مجموعة جنوب السودان، إلى جانب العربية). 

أما دلالتا الوظيفة والحال، فإنهما بلاغة غليظة، الكُونِكا بحيرة للصرف الصحي، تُخمِّر الفضلات البشرية، وساكنُها لا لزومَ له، «كلبة ميتة» كما تنعته الأغنية، فهو كما الكُونِكا ذاتها؛ إخراجُ المدينة الذي هو جزءٌ منها لكن لا موقعَ له في هذا الكلّ. تختفي الفضلات البشرية تحت الظروف الحضرية الميسورة في جُبٍّ غامضٍ متى ما انبجست من الجسد البشري سِيد الشِّي، فالجالسة على الكابنيه تضخّ الماء بدفع محبس لامع على الغائط الذي لا تكدِّر ناظرها به وتغتسل، فينحدر به الماء النقيّ في أنبوب يزعج منه صوته، ويعود الكابنيه بملء الماء نقياً على بياض سوى ربّما ما قد يلحق بالسطح الأملس من قذارةٍ تنظُيفها من عهدة شخصٍ آخر في ساعةٍ غير. ولذلك، فهو على مستوى التجربة اليومية لا يشكّل جزءاً من هذا العالم ولا يبلغ مكاناً فيه. لكن، لا يختفي الغائط في واقع الأمر، ولا يغادر أرضاً ولا سماءً، فإنه من بيئة الكوكب كما الكُونِكا وساكنها، جزء من بيئة المدينة. واختفاؤه خدعة بصرية، أو بالأصح خدعة أيديولوجية، تُظهر غير ما تُبطن، الخدعة التي قال عنها المرحوم الإزيرق، كارل ماركس، إنها نصيبُ النظرة الأولى، ونصَح أن ارجِع البصرّ كرّتين كما في الأمر القرآني.

درَس الدكتور عبده مالك عالم سيمون أحوال مايو ضمن مستشاريته، وقال عنه في كتابه «على صورة من؟ الإسلام السياسي والتجربة الحضَرية في السودان» (دار نشر جامعة شيكاغو، شيكاغو/ لندن، 1994) إنه إقليمٌ «غير مرئيّ»، جُبّ عميق، قاطنوه «لا يقوون على البقاء خارجه لفقرهم وقسوتهم»، وهو «خلو من العمل بأجر، وتعيش أحياء بحالها في هذا الإقليم على عائد السرقة». جاء الدكتور سيمون بواقعةٍ من العام 1992، قال دمّرت القوى الأمنية طرفاً من مايو فأزالت آلاف الرّواكيب والعشش، ذلك بعد محاولة متردّدة في أواخر عهد الرئيس الأسبق نميري لإزالة كامل الإقليم تصدّى لها جماعة بسلاح ناري مسروق من نقطة البوليس القريبة. شهد الدكتور سيمون على هِمّة غير المسلمين من مجتمع مايو في تعزيز ذواتهم بالدِّين، وقال إنّ أهل «كريم المعتقدات» بعبارة دستور جعفر نميري، ثم اتفاقية السلام الشامل للعام 2005، قد أقاموا شعائرهم كما اتّفق بضرب الطبول في الأزقة عند الغروب، فنافسَت أذان المساجد. ونقل الدكتور سيمون «انتشار الفتيات اليافعات في الشارع الرئيس أوّل المساء لبيع الخدمات الجنسية لأصحاب الدكاكين وصغار التجّار الذين جمعوا للتو حصيلة اليوم». كما نقل حركة طلاب المركز الإسلامي الإفريقي القريب في جماعاتٍ إلى ماخور معلوم، «البيت الأبيض»، لقضاء السهرة «حيث تساعدهنّ بنات اللاجئين من ضحايا عيدي أمين، جزار يوغندا، على إنفاق مال المنح السعودية السخية المبثوث من جوهانسبرغ إلى الجزائر لجذب شباب المسلمين إلى المركز.

واقتصادُ حي مايو عند الدكتور سيمون شبكة من المبادلات، لا إنتاج فيها: يدسّ رجل بضعة أوراق نقدية في كفّ امرأةٍ تلقاءَ زجاجة من العَرَقي المُعزَّز بحمض البطاريات فتعطيها زوجَها الذي يدسهّا هو الآخر في يد فتاةٍ ناهد هي ابنة الزبون الذي اشترى لتوّه الخمر مقابل الجنس، فتعيد الفتاةُ المالَ إلى أبيها الذي يشتري به خمراً مرة أخرى. يصبّ في هذه الشبكة ربما عائدٌ يفوز به الابن اليافع الذي استطاع بجاكة ماكرة شفشفة جالون بنزين أو جالونين من عربة البوليس، فيهبها والدته التي تشتري شاياً وسكّراً تبيعه المبشّرين الذين يبذلون جهداً عظيماً لهداية ابنها إلى الدِّين الحقّ. وربما انضمّ إلى فرقةٍ من الشبّان الذين يطوون المسافة عبر الخلا في مارشٍ قاصدٍ لهَمْبتة لوري عابر اضطرّ إلى التوقّف في نقطة تفتيش قصيّة. 

يجتمع السّكارى والتائهون في مايو أول الليل لتبادُل اللكمات في طقسٍ يوميّ ينشغل بنتائجه الترزيّة صباحاً، فيخيطون الجلاليب المُدمَّمة وقد مزّقتها حرب الليل مرةً أخرى أسمالاً فوق أسمال. هذا بينما تنقل كارّو وأخرى حمولات البَنْقُو في السَّحَر تترصّدها فرقٌ من السماسرة في طرف الإقليم. توسّع الدكتور سيمون في مشاهد الدراما القاسية التي مسرحُها مايو، فهذا الصبيّ الكنغولي من كيسنغاني البعيدة انتظَر رفيقاً له شهوراً عدّة على وعدٍ بثلاثة جرامات من الزئبق الأحمر بنيّة تهريبها معاً إلى مدينة جدّة السعودية. وهذه المرأة تُجادل ابنتها حول مصير حفيدها ذي السنوات الستّ الذي طردته من العشّة قبل أربعة أشهر لأنه أصرّ على الالتحاق بالمدرسة. وهذا الرجل الذي ماتت زوجته للتوّ بالسلّ الرئوي هبَّ على غنماية ضالّة فكسَر عظم رقبتها بيديه العاريتين وخالته تجري مسرعة عبر الأزقّة تحمل إنجيلاً في يدها إلى فكي محترف تتوسّل إليه أن يكتب على كلّ من شهد الواقعة برهةً مؤقتةً من النسيان، خوفَ أن يَخرج للغنماية سيّدٌ يطلب الثمن.

البقاء المُجرّد هو كلُّ مقصد من التقى الدكتور سيمون، فالفتيات اللواتي احترفن الدعارة يبذلن جهوداً مُضاعفة لتفادي الالتهابات التي تُضرُّ أعضاءهن ومن ثم سلعة بيعهنّ. والشيخ النوباوي يحاول ما يستطيع أن يتذكّر أسماء أسلافه في لحظة صفاء نادرة مع مولود جديد. والراعي البقّاري لا يجد في جلبة مايو مثل هذا الصفاء لإكمال صلاته ولو أخلص. والتاجر الفلّاتي يطمس النهار بحثاً عن ورقة نقدية يظنّ أنه دسّها في شقّ في الزاوية الشمالية الشرقية من أوضة الجالوص المُتهالكة التي هي مفخرته. وبعض المتحذلقين يدّعون أنهم يستطيعون حفظ أسماء كلّ من وطِئوا من النساء والصّبية واتخذوا هذا السجلّ شهادةً على أنهم في أتمّ الصحة العقلية. وقال هؤلاء إن لمكان مثل مايو مغزىً ما وغرضاً، و«الله لن يجد مندوحة من التدخّل قبل الميقات المحدّد في الأزل بدافع الفضول وليس الغضب». وقال صبيّ نوباوي للدكتور سيمون في جماعة «إنّ الأميركيين متى ما ضاقت بهم الوسيعة في بلادهم سيجدون وطناً ثانياً في مايو»، رغم مصاعبه، فلِمَ إذن يصنعون أفلاماً سينمائية لا عدد لها عن حياة العشوائيات. 

أَدْهَشَ الدكتور سيمون من مجتمع مايو قدرةُ أهل بعض البيوت على الحديث بلا انقطاع، لا يصمتون إلا لماماً، قصّة في ضَنَب قصّة، مختلقة ومعدّلة ومنحولة وواقعة، واستخرج من هذا الكلام المتّصل دليلاً على التفتّت الاجتماعي، والحكي محاولة لترميم هذا التفتّت في الوعي. أما قانون مايو الأول عند الدكتور سيمون، قانون الكُونِكا، فهو ليس العُصبة الإثنية أو العُصبة القبَلية أو العُصبة الدينية أو العُصبة الطبقية، وقد انحسر كلُّ تصوّرٍ للجماعة سوى مهارة عمومية في رصد كلِّ داخلٍ وخارجٍ بسلسلة من العيون، وإنما اهتبال كلّ فرصة لـ «الشَّلِب»، والانفتاح على كلّ سَهوة خاطفة في سجن الواقع، واختلاسها بقوّة لعقد تحالف مؤقّت مع هذا أو ذاك أو هؤلاء خارج الكُونِكا؛ بقصد تعزيز احتمالات «شلب» ناجح. وأقصى العلم الخداع، وأقصى الخداع أن ينجح في يومٍ ما فكي ماهر في تصميم «عمل» ما، يدسُّ به النوم العميق في عيون أهل البيوت الرخيّة في المدينة ريثما يتسنّى نقل جميع ممتلكاتهم.

 

[3]

انتهى الدكتور سيمون، في تقصّيه أحوال الكُونِكا كما ظهرَت له في حي مايو بجنوب الخرطوم، إلى أنّ هذا مخزنٌ لفائضٍ من البشر لا مَوقعَ لهم في الإنتاج السلعي، فهُم تَكْأَتُه الزائدة، ولا عاصمَ لهم في الاقتصاد المعنويّ للمُجاملة، الذي هو تأمينُ أهل الخرطوم المدينة من مثل هذا التدهور الذي يَفتِك بالكينونة، بل نَضَا الإملاقُ أغلبَ السّتر عن اجتماعهم. وقال نشأَتْ وَسْطَهم روحيةٌ جديدةٌ، بدرجة أو أخرى، هي هُجنةٌ كذلك بين العقائد. فالمسلم لا يَقوَى على إسلامه، والمسيحيّ يتفسّخ إيمانُه، ومن يؤمن بالأسلاف ينشز عن احترامهم وقد هجروه. فلا يستطيعُ من يقوم عَيْشُه على مالِ «الشَّفْشَفة» الذي يَقْطُر قَطراتٍ متباعداتٍ، قطرةً وأخرى، في خيران جافّة من التبادل الأوّليّ، قزازة عَرَقي في مقابل وَطَرٍ أو بعضِه، تلقاء كمْشَة فول في محلّ دُلقان لتَلتِيق الجلّابيّة المَشْرُوطة؛ أن يُحافظ على فرز الفجور من التّقوى، وقد صارا قُرْصَاً من عجين الدُّوم جَفَّ. ومدارُ هذه الرّوحية الجديدة شفراتٌ وطلاسم من هُجنةِ ما سبق لجلب المنفعة الآن وفوراً، آندروس فوار، وليس في غدٍ منتظرٍ ويومٍ آخر. تُترجِم هذه الروحيّةُ المشروخةُ ما تَهشّم من حياةٍ وليس فيها ما يَجْبُر، فلا تَبلغ وظيفة «أفيون الشعوب» حتى؛ وإنما هي علامةُ تقصيرِه عن فاعلية الأفيون.

استفاد الدكتور سيمون من «كُونِكا» الخرطوم شاغلاً بحثياً طويل الأمد بفائض المدينة الملعونة، العشوائيّات، في غير المِتروبول، في مدن أفريقيا وآسيا؛ من جاكرتا إلى داكار كما في عنوان أحد كتبه السخية («حياة المدينة من جاكرتا إلى داكار»، دار نشر روتلدج، نيويورك/ لندن، 2010). ورَدَّ الدكتور سيمون جانباً من هذه الخصيصة الباطنة في المدينة في غير المِتروبول للتورُّم بالعشوائيات وقاطنيها، إلى تصميمٍ استعماريٍّ أوّليّ كانت به المدينة نفسُها أداةً لاستخلاص الموارد من نُظم إنتاج ريفيّة معيشيّة وهيكل قسري لتجنيد العمالة الحضَريّة وضبطها دون كثير اعتبار لهندسة خدماتها وعَيْشها كوحدةٍ عضويةٍ تنمو بأهلها. وكان حُكم مثل هذه المدينة في الغالب وكالةً لشتيتٍ من الموظّفين والضبّاط العسكريين حَطّوا عليها من علٍ، شاغلُهم الضّبطُ والرّبطُ لعناصر كشكوليّة من القوميّات والمناطق لمّا تنشأ بينهم واسطةُ عَقدٍ حضرية سوى كجُزرٍ في لُجّة.

استخرج الدكتور سيمون من شُغله نمطاً كونياً، إذا جاز التعبير، حالت به طبقات من السُّلطاتُ غيرُ كاملة النفاذ؛ السّلطات الجزئية والضعيفة، من الأعيان والصفوة العسكريّة وكارتيلات التجّار والأسر الطاغية والروابط السياسية، دون بزوغ هياكل فعّالة للدولة؛ هياكل مسألتُها رفاهُ المواطن الحضَريّ في عمومه. وبهذا تصبح مثل هذه المدينة الأفريقية والآسيوية مَفازاً لقِلةٍ، فنشاطُها الاقتصاديّ وخَراجُه لا يستوعب سوى فئة من قاطنيها، ويَستبعد لضيق مواعينه غيرَهم، الذين يدفع بهم توالي الكشّات إلى حزامٍ من «الكُونِكا»، جغرافياً وقانونياً. فانقطاع الشّبكة، شبكة الوصل الاجتماعية التي يقوم عليها الاقتصاد المعنويّ لمثل الخرطوم، يَحوُل بينهم وبين الوثائق الثبوتيّة والرُّخصة التجارية وثبت الضّريبة والحساب البنكي والقرض الحسن. وإن اجتمع لديهم مالٌ من «الشَّفشَفة» أو مثلها لا يَبلُغ بهم، خلا القليل، موقعاً خارج هذا النظام التبادلي البدائي، عرَقي ووَطَر وكيس صعوط ورؤوس دجاج مقليّة.

نجحت السُّلطات الوطنية التي نشأت ما بعد الاستعمار، في عصر فَلَاحها بالاستثمار في التعليم والخدمات العلاجية، في تنشئة صفوة حضَريّة متجانسة بدرجات متفاوتة ومرتبطة بجهاز الدولة من أقاليم وقوميات متنافسة، كمثل الخرّيجين موديل 56 اللِّيْلْنا. لكنْ عَسَّرَ تدهوُر موضع هذه الدول في تراتب الاقتصاد العالمي من استمرار هذا النمط، فقد تقلّصت الموارد المتاحة للحكومات حتى شَقّ عليها الإبقاء على نظم تعليم ديمقراطية تضمن للشُّطّار «المَاهيّة» المُجزية في القطاع العام. بخاصَّةٍ وقد تعذَّر؛ بتدهور أسعار المحاصيل النقدية في السوق العالمي ومداخيلها، الاستمرارُ في سَلْخ الفائض من نظم الإنتاج الزراعي الريفيّة، دون تحوُّلٍ حازمٍ في وسائل الإنتاج وتقنياته لزيادة الإنتاجية اللعينة، ما لا يتأتّى إلا بضَخٍّ كثيفٍ مُتوالٍ لرؤوس الأموال. وهذا الفائض الريفيّ هو عماد الخزائن الحكومية ومَورد الصرف على التعليم والصحّة و«المَاهيّة» إياها. وفرَض هذا السَّلخ المستمرّ بواسطة للفائض تخلّفاً ريفياً زاد بدَوره من تراكم البشر في الحواضر، فائضاً فوق فوائض.

كان التعليم الديمقراطي على هذه العلل، بدرجةٍ من الدّرجات، درعاً واقياً من خذلان التعاضد بين الأقاليم والقوميات، ففيه تجد «الشّاطرة» موقعَ قدم لبلوغ مَرقىً غير شَطّ «الكُونِكا». من هذا الباب، ربّما قدَّر المرحوم عبد الخالق محجوب منذ العام 1970، ضمن تقريره للمؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي، وهو يكابد الانقسام، وأسعار القطن تتلكَّك، وقد ثارت على خطّته البرجوازية الصغيرة، تتلمّظ لثمار الانقلاب في مايو 1969؛ أنَّ الثورة ثورةُ أهلِكَ بعَلَفهم وليست ثورة «وعي»، وكانت يا عرب: «فالثورة الديمقراطية هي ثورة الإصلاح الزراعي ولا يمكن أن تصل إلى نتيجتها المنطقية إلا باستنهاض جماهير الكادحين من المُزارعين على نطاق واسع وإدخالهم ميادين الصراع السياسي والاقتصادي والفكري!» (تقرير عبد الخالق محجوب إلى المؤتمر التداولي، ضمن «استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية السودانية»، الحزب الشيوعي السوداني، بلا تاريخ، ص 157).

اكتملت هذه «الحلقة الشرّيرة»، وهي العبارة التي راجت لوصف ظاهر دورة الانقلاب والثورة فينا، بموجة نقل الثروة من سيطرة القطاع العام إلى القطاع الخاصّ، بدفع المؤسّسات المالية الدولية وإرهابها، ومسألتُها نقلُها مرةً أخرى من رأسماليةٍ وكيلةٍ إلى رأسمالية المتروبول، تفريغٌ مربّعٌ للثروات. تحوّلت بهذا النقل المتسارع مواردُ مشاعيّةُ الطبيعةِ، أرضاً زراعية كانت، أم معادن في باطن الأرض، أم غابات، أم مَراعيَ، أم حتى الأجساد البشرية، معامل تدوير قوة العمل؛ إلى حيازاتٍ خاصّةٍ تَغْرِف منها حلقاتٌ من المصالح من كاس عبر سوق دبي حتى بورصة نيويورك. واحتدّ التنافس على سلطان جهاز الدولة بالضرورة تبعاً لهذه الفتنة، فهو الجهاز القادر على تشريع هذا النقل وتدبيره وتمكينه وتأمينه بالقوة الجبريّة. لا غَرْو إذن أنْ نشأت حول هذه الحيازات الثمينة جيوشٌ ثانويةٌ تطالب بها أو تحميها؛ مليشيات. بخاصةٍ وقد صارت هذه الحيازات تقسيماً لموارد لا تَقبل جوهراً التسليعَ: الأرض والعمل والمال، موارد اجتماعية خصّها كارل بولياني، خصيم الماركسية، بنَعْت «السلع الكاذبة» (كارل بولياني، «التحوّل العظيم: الأصول السياسيّة والاقتصاديّة لزماننا»، بيكون للنشر، بوستن، 2001 [1944]). «الكُوْنِكا» إذن، ما يبقى وحلاً آسِناً من هذا الغَرْف الأطرش.

تعلَّم الدكتور سيمون، من سياحته في المدن الأفريقية، أنّ هذا الغَرْف قد هدَّد ما يَستُرها من بواعث التضامن، بما في ذلك شبكات المجاملة التي تصل ما بين أفراد الأسرة الممتدّة، والتي تناسخت على هيئةٍ شبيهةٍ بعلاقات استجدّت بخُوَّة التعليم والمهنة والجوار، العصبيّة الخضراء التي ضحك لها المرحوم إبراهيم عوض. زاغت الأبصار والقلوب بشهود ما يُصيب الغارفَ المُهتبِلَ من ثروةٍ سريعةٍ صارت بها التبايُنات في «المَقْدَرَة» صدوعاً وأخاديد، بخاصةٍ وقد استقَلّ هذا الغَرْف عن العمل والجهد والتأهيل التعليمي والمهني، وصار رهناً بمهارات «الشّلب». فثمّة من يغرف بكُوز فقط، وثمّة من يحبس مجرى الجدول بسَدٍّ عظيم. بل هدَّدَت مثل هذه التصدُّعات الشّعورَ الجماعيَّ بالمكان، فمدن مثل آكرا ولاغوس وداكار والخرطوم انفجرت بالتحوّلات العمرانية وانفلتت جغرافيتها الاجتماعية في عهدين أو أقل بحيث يصعب حتى على ساكنها المُداوم رسم خارطة ذهنيّة مستقرّة لها.

يعود جزءٌ مقدَّرٌ من هذا الانفجار العمرانيّ إلى استثمار عائدات المغتربين في ملكيّة الأرض والبناء السكني، وهو استثمارهم المكاني وتأمينهم المعيشي في آخر العمر، حصيلة الشّقاء من هجرةٍ في سوق العمل الدولي. لكنْ، لا تأمن هذه الرعايةُ لعهدِ المكان من خطرٍ، فهذه العائدات المالية مُهدَّدة كذلك بالشّلب في بيئةٍ عَزَّت فيها الفرص الاقتصادية، سواءٌ أكان ذلك بتضخّم أسعار مواد البناء أم بالمضاربة في الأراضي أم بنهب المقاولين أو تهافت بنائهم، أسمنت مضروب وبلاط فشَنْك. وشخَّص الدكتور سيمون، على سكة المرحوم عبد الخالق محجوب من قبله، أنَّ تجميدَ المال في العقارات وحبسه عن النشاطات الإنتاجية ضَررٌ وكساد، إذ تستقلّ قيمةُ العقارات عن البيئة الاقتصادية المحيطة بها وتطير بي فوق. فلا يَستغربَنَّ مُستغربٌ إذن، أنْ يصحو الساكنْ أوضتين وبرندة بالإيجار في شارع باطني، الكهرباء والماء تقاسيم، والخور آسِن، على جوارِ دار مهيبةٍ بسعر مليوني دولار أخدر ويزيد عند التقاطع في الزّلط، محيطُه كارّو في بتاع بنشر في جزّار في خَدَار كيري في بتاع سجاير؛ عقار لا يمكن رعاية قيمته سوى بمزيد من الاستثمار: جنريتر استعداد، وبرميلَي جاز، وموتور عظيم لجرّ الماء حتى من أوسع مواسير المحطة، وحرس ديدَبان.

 

[4]

شهد الدكتور عبده مالك عالم سيمون في حي مايو بالخرطوم على روحيّةٍ هجينة، هي في بعضٍ منها تصويرٌ ثقافيٌّ لِما يصيب مجتمعاً ارتدّ موضوعياً عن آزِرَة الإنتاج إلى انتهاك «الشَّفشَفة». ويضجّ الوعي بهذا الانتهاك للذاتيّة المعذّبة، فوَعْي هذا المجتمع ليس عُصاباً أو جنوناً أو لا مبالاةً دهريّة، وإنما كُسَّارُ زجاجٍ كأنه ارتطم بصخرٍ في الواقع فتحطَّم عليه. يعتقد كثيرٌ من أهل مجتمع مايو أنّ ظروفهم المتدهورة هي من شُغل «الحكومة» التي يحلمون بالثورة عليها في هَبَّةٍ واحدةٍ مُضريّة لا تُبقي ولا تَذَر. أشار فكي نوباويّ إلى الهُجنة التي تسلّلت إلى عقيدةِ جارِه التاجر من دار حامد، الذي يكرّ مسبحةً بيَدٍ ويقلِّب حصىً خمساً بيده الأخرى؛ الأولى من الإسلام والثانية من عناصر عقيدة وثنيّة. وخَلُص الفكي النوباوي من هذا التسلّل الوثني إلى أنّ الإسلام لَمّا يدخل قلوبَ «الجَلّابة» بحقّ، وما زالت روحانيّةُ قومِهِ قادرةً أن تنفذ في هذه «المَلَجَة». عَدّ الدكتور سيمون هذه الروحيّة الهجينة ميزةً لجنسٍ جديد من الناس؛ جنس يتخلَّق في «الكُوْنِكا»، ليس في كُونِكا الخرطوم وحدها وإنّما في كُونِكا كونيّة، من جاكرتا إلى داكار، وإنْ كانت لكلّ جغرافية بشريّة خصائصُها.

لذلك ربما رَكِب «الذّعرُ الأخلاقي» ضميرَ الحركة الإسلاميّة الناهضة للحُكم بالدِّين القويم من هذا الإقليم الخطر، حيث تختلط الأنساب والعقائد والضّمائر. واعتبره الدكتور حسن مكي حزامَ سخطٍ وغربةٍ يهدّد المدينة الجديدة، ويسري في أحشائها عائداً وقد لفظَتْه. لكنْ، اكتفت الحركة الإسلامية بالذّعر وما ينجم عنه من خطّةٍ مهزومة. فلا تجد عند الدكتور حسن مكي ذِكراً لاقتصاد مايو الذّميم سوى كجريمة. ووقَعَ عنده أن خطرَ مايو هو منفَذٌ لخطر التنصير، فيأتي بها ضمن رصده للمدارس التبشيريّة في العاصمة، ومنها مدرسة كمبوني الصناعية حي مايو: «تقع المدرسة في منطقة سكنيّة مزدحمة بالسكّان وحولها أماكن صناعة الخمور البلديّة، المساحة 11554 متراً مربّعاً وهناك مساحة مسوّرة ومنفصلة من الناحية الغربية مساحتها 3385 متراً مربّعاً.. لم يكتمل بناء المدرسة حتى الآن، ولكن الدراسة بها منتظمة وقد اكتمل السُّور وبعض الفصول كما أنّ العدد الكلّي للفصول هو تسعة، اثنان كبيران من الحصير و7 من الحجر. التلاميذ عبارة عن أطفال صغار من حي مايو والعِشَش وصلوا في دراستهم للسنة الخامسة الابتدائية الآن. بالمدرسة فصول مسائية للكبار وبها مكان للكشف الطبّي في أحد الفصول مما يدلّ على أنّ أحد هذه الفصول يُستخدم كعيادة. وبالفصول مراوح كهربائيّة رغم أن المنطقة لم تُوصل لها الكهرباء بَعد، خاصة في الفصلين المنفصلين وأحدهما هو الذي به مكان الكشف الطبي» (حسن مكي، «أبعاد التبشير المسيحي في العاصمة القومية»، بيت المعرفة، أم درمان، 1990، ص 42).

عزَل الدكتور حسن مكي المدرسةَ، التي نظر إليها كجسمٍ غريبٍ، عن المحيط بها من اجتماعٍ، سوى سوق الخمر البلدي، فهي غرس كنسي وبَسْ، يقع ضمن مشروع تنصيريّ لا ينقطع، فَصّل في تاريخَه في كتابٍ آخر يتّصل بالأول (حسن مكي، «المشروع التنصيري في السودان 1843 1986»، المركز الإسلامي الإفريقي في الخرطوم، الخرطوم، 1991). ولم يقع بصَرُه على مثل الهُجنة التي قال بها الدكتور سيمون وموقعها من إعراب المدينة المرجوّة. والكنيسة التي يَرْهَب حسن تستقطب هذا الجمهور من «الجنوبيين والنوبة» وتشدّه إليها «عن طريق الأندية وتقديم الخدمات التعليميّة بلهجاتهم المحليّة وباللغة العربيّة العامّية في فصول تقوية ومدارس للأطفال وما فوق هذين المستويين». كما «تَجمَعُهم حتى لا يذوبوا في المجتمع الشمالي المسلم» (المصدر الأخير، ص 143). والخطر كلّ الخطر عند الدكتور حسن مكي من النوبة والجنوبيّين النصارى، لكن لم يشهد في تجواله على المدارس التبشيريّة في العاصمة على ما التقط الدكتور سيمون من علامات «جنس جديد» بحسب عبارته؛ جنس ذابت فيه أجناس، الميزانُ فيه لفَلاحة «الشَّفشَفة».

تتبّع الدكتور حسن مكي «كُونكا» الخرطوم كخريطةٍ من المدارس التبشيريّة المُريبة يقوم عليها متآمرون كنسيّون عظام من المركز الإمبريالي، وجاء بشواهد على هذا المقصد. والدكتور حسن مكي كان من الحريصين على «تثقيف» الحكم الذي قام له إخوانه وأخواته في الحركة الإسلاميّة وتربَّص بالتحدّيات التي أحاطت بالدولة الجديدة مَليّاً وتأمَّل. لكن انتهى تأمُّله عند هذه «المؤامرة» المسيحيّة. وظَلَّ الإقليم العظيم لاجتماع «الكُونِكا» منطقةَ عمىً، يحيط به، أو يحاول، جهازُ البوليس بالدرجة الأولى، ثمّ بيروقراطية التخطيط العمراني. ونمَت علاقات تبادليّة بين الاثنين، البوليس و«الكُونِكا» في «شَفشَفة» و«شَفشَفة مضادّة» إذا صحّ التقدير، ودخلت الرّشاوى والغرامات ومال الحماية دوائرَ الاقتصاد التبادليّ المزدهر في «الكُونِكا». وربّما كانت التحالفات التي انعقدت بين حضرة الصول وستّ العَرَقي هي التي فتحت لها البابَ أن تتميّز عن قريناتها بتجارةٍ مستقرّةٍ تسمح بتراكمٍ، ولو قليلٍ، فلا تعصف بأدواتها الكشّة الدوريّة، أو ربما سمحت لها حركة المعلومات بتفادي مثل هذه المطبّات بالمرّة. وطَفَّرَ نفرٌ خارج هذا الإقليم بسلالم التعليم والتجنيد ودروبٍ أخرى للمجازفات، بينما ارتدّ إليه سِوَاهم ممّن تقطَّعت بهم السُّبل في كرش المدينة فلفظَتهم بدُبُرها. وبذلك تهيّأ نوعٌ من الاستقلاب بين المدينة و«الكُونِكا»، ونشأت مناطق انتقاليّة بينهما؛ حيازاتٌ خطرةٌ فيها فائزون أو بالكاد تحت التهديد المستمرّ بالعودة حيث بدأوا، كلبة ميتة، وخاسرون ربّما عبروا وانتصروا لو اجتمَعَت إرادتُهم لمجازفةٍ كبرى، قد تبدأ بمَشْلُوبٍ حتفَ أنفه من عِبيد «خَتِف». ولحيويّةِ هذا الاستقلاب رهزٌ وقَبعٌ وصفيرٌ تجد الناظرةُ آثاراً له في ضروبٍ من التعبير: رَنْدُوك وزَنِق وسرد وقاموس ورقص وموسيقى وأزياء وحِلاقات وعمليات جراحيّة حتى وشخصيات وبطلات وأبطال. وهذا الاقتران بين البروليتاريا الرثّة وفقراء الطبقة الوسطى الحضريّة سِمَةٌ لشراسةِ قوى السوق في عصر الليبراليّة الجديدة وهي تعيد توزيعَ فئات قوى العمل، تطرح الفائضَ منها والطالحَ جانباً، وتعيد انتشار غيرهم بانتخابٍ عسير، بما في ذلك في الوظيفة الأيديولوجية، فتصعد القونة إلى المسرح رسولاً لزمانها، ويتَّبعُ الناسُ سُنّتَها، ويتحوّل الأستاذ داك، متذكِّره؟ اسمه منو كان؟، إلى موزِّع آيس. ما عرفتُه والله.

وجد الدكتور آصف بيات في القاهرة الثائرة عام 2011 مُعاملاً لهذا الاقتران، وقال: جَمَعت العشوائيّات، مثل أمبابة، الفقراءَ المعدمين من الأرياف بغير تعليم وصنعة، وفائضَ المدينة الرّثّ، وكذلك فئات من «الطبقة الوسطى» القديمة، موظّفين حكوميّين لا حيلة لهم فوق المَاهيّة، وأزواجاً جدداً من المتعلّمين، معلّمين ومحامين، لا يجدون لحَقّ الإيجار في المدينة النظاميّة سبيلاً. وكَتب بيات وقتها أنّ هذا الاقتران بين عالم الطبقة الوسطى والعشوائيات سَمَح بنقل بعض قضايا العشوائيات إلى عالم «الناشطين» والصّحافة والجامعات والروابط المهنيّة (آصف بيات، «سوقة الربيع العربي»، الأنثربولوجيا المعاصرة، م 56، ملحق 11، ص 33-43، دار جامعة شيكاغو، أكتوبر 2015). وعَرَّضَ بيات في مقاله، وفي أكثر من موقع، باشمئزازِ الصّفوة الليبراليّة المصريّة الشديد من عشوائيات القاهرة، وتخوُّفهم في ساعة الثورة أن تنقلب «ثورة الوعي» في خاطرهم إلى «ثورة جياع» فينفتح الباب لغزو «البلطجيّة» وتلويثهم قماشة الثورية. واشتُهِر بطبيعة الحال عن النظام المصريّ ما قبل الثورة وفي غمارها تجنيدُ «البلطجيّة» من العشوائيات ذاتها لقمع الثائرين، فمنها كان جندُ الثورة وجندُ الثورة المضادّة معاً. زادَ من هذا الاشمئزاز تصوُّرُ الصّفوة المصريّة أنّ دِينَ العشوائيّات هو صيغةٌ من صيغ السّلَفيّة الإسلاميّة التي تعرف كيف تخترق هذا العالم برسالةٍ روحيةٍ سهلةٍ وشبكةٍ من العلاقات الزبائنيّة تصل الجامعَ بالأسرة الممتدّة بالسوق. وكانت أمبابة في واقع الأمر موطناً في أوّل التسعينيّات للجماعة الإسلاميّة ومقاتليها، أمّا ساعة الثورة فقد كان لأهلها قدحٌ مُعلّىً في إسقاط النظام، ودَورٌ مُقدَّمٌ في أيّام ثوريّة مشهودة مثل جمعة الغضب 28 يناير 2011. فما حسابها إذن؟

 

[5]

جاء الدكتور آصف بيات في مقاله «سوقة الربيع العربي» (الأنثروبولوجيا المعاصرة، م 56، ملحق 11، ص 33-43، دار جامعة شيكاغو، أكتوبر 2015) بعُقدة العشوائيّات القاهريّة في ساعة الثورة، فقال خرجت منها قوىً للثورة وقوىً للثورة المضادّة كذلك. وقال انكسَفَت الصّفوة الليبراليّة المصريّة من هرج العشوائيات الماثل، وبَهَتَتْها في العموم بالإسلاميّة الراديكاليّة قولاً واحداً؛ جوهراً لا تنجو منه. جدّدت الصّفوةُ الليبراليّة المصريّة من هذا الذُّعر عقيدتَها في الانقلاب العسكريّ كحلٍّ لكلّ أزمةٍ ثوريّة، وانتهى بها الأمر إلى الكُفر علناً بما أعلنته عن نفسها من إيمانٍ بالديمقراطيّة الانتخابيّة ما دام حسابها قد انتهى إلى حكم الإخوان المسلمين والرئيس محمد مرسي، فلم تصبر لتظفر في يومٍ آخر وكشَحَت ماءَ الثّورة وجنينها معاً. نستفيد من شُغل الدكتور آصف بيات درساً قديماً، فالتعرُّف على تحوُّلاتٍ كالتي تقع بالثّورة، وبالحرب كذلك، لا يستقيم بالنّظرة الأولى والفُرشة العريضة، ولا مناص من رَجْع البصر كرّتين وأخرى، إذ لا تتكشّف بالمنظور القديم علاقاتٌ استجدّت، كأنْ لم يكُ شيءٌ. واسمُ هذا الفنّ في كتابٍ آخر «علم الديالكتيك». 

فما السّبيل إلى ديالكتيك «الكُونِكَا» إذن؟ أهُو رَجْعُ صدىً لخصوماتِ الصّفوة الجامعيّة؟ إسلاميّة وعلمانيّة؟ أم أَخَذت هذه الصّفوةُ الجامعيّةُ مِزَعاً من هذا التاريخ المُرّ تغذّي بها نار خصومتها التي لا تنقطع تحت عنوان الصّفاء والتعدّد، إثنياً وثقافياً ودينياً... إلخ؟ أم هو أمْرٌ بين ذلك، أم أنّ كلّ هذا السياق «خارجيات» لا تُغني المُتبصّرة؟ لكنْ، لكلٍّ دَبَارة. 

في رسالته للدكتوراة «الهوية وتكوين نمط الحياة في العشوائيات متعددة الإثنيات: دراسة حالة في مجتمع البركة في الخرطوم، السودان» (دار نشر ليت، مونستر، 2014)، أزال الدكتور محمد بخيت، الأستاذ بجامعة الخرطوم، الحجابَ عن خارطةٍ أشمل لإقليم «الكونكا» والأقاليم «الانتقالية» التي تصله بالمدينة بعين الإثنوغرافيا. فالكونكا مكانٌ وحالٌ واجتماع، سلسلةٌ تمتدّ من مايو وسوبا الأندلس، ثم جنوباً في جهة جبل أولياء، وغرب أم درمان في أطراف دار السلام ونيفاشا وشمالها في مرزوق والفتح، وفي الخرطوم بحري كرتون كسلا «حي البركة» ودار السلام والوحدة والتكامل والتعويضات وكرتون بارونة. 

قعَد الدكتور محمد بخيت لهذه المهمّة متفرّغاً، فاستأجر سكناً في حي البركة «كرتون كسلاً سابقاً» لستة أشهر (أبريل - سبتمبر 2010) وتَبِعَها بأخرى (أكتوبر 2011 - مارس 2012) واستقرّ في سكناه يشهد ما حوله مُراقباً ومُستعيناً بالمُقابلات وعدّة أخرى للأكاديميّ. وأول ما صَوَّب بهذه العدّة التعريفَ «الإثني». فقال عَرَّف الناسُ أنفسَهم أوّلَ الأمر بالإثنيّة، وقامت بينهم تصنيفاً أوّلياً، فكلُّ يَعْرف ملجأه القبَليّ بوجهٍ أو آخر؛ وهذا ما حَصَد بالنظرة الأولى. لكنْ، ما أنْ طاب له المقام وخَبُرَ محيطَه أدركَ أنّ هذا التعريف لا يُغني في واقع الأمر شيئاً، فهو دلالة فارغة كطوبةِ الحجز لغائبٍ في صفّ الرغيف. ومن يتشاركون التعريفَ الإثنيّ تُباعِدُ بينهم الممارساتُ اليومية والقيمُ والتصوّراتُ التي تُبطِّن هذه الممارسات، أو بعبارةٍ أخرى: أيديولوجيا الحياة اليومية. ولذلك جعل «نمط الحياة» محلّ الإثنية، مفهوماً لتمييز وتحليل المجموعات الاجتماعيّة المختلفة في حي البركة. وأدرَك الهويّةَ ظاهراً وباطناً إذا جاز التعبير، فهنالك الهويّة المنطوقة، وهي الدلالة الإثنيّة؛ ويعلن بها الناسُ عن أنفسِهم من قاموسهم الثقافي، وهنالك الهويّة الحيّة، وهي جماع الممارسات اليوميّة للأفراد والمجموعات، أو نمط الحياة. وانتهى الدكتور محمد بخيت بهذه «العدّة الجديدة»، باستبدال المنظور لإدراكِ ما استجدّ، إلى تمييز ثلاثِ مجموعاتٍ في حي البركة في محل الفسيفساء الإثنيّة التي تلتقطها غشاوة النظرة الأولى: الجيل الأوّل والجيل الثاني والمتعلّمون. الجيل الأوّل واقعٌ في رباط زعماء القبائل والبطون ورجال الدِّين، والجيل الثاني؛ جيلُ «الكُوِنِكا» الحَقُّ، عالَمُه زمالةُ العصابات والشمّاسة، والمتعلّمون فئةٌ مصالحُها في السّوق وقواعدِه. ليس بين هذه المجموعات الثلاث حواجزُ جوهرية، فهي ليست «سِجِنْ تأبيدة»، وإنما علاقاتٌ، والناسُ في حي البركة موزَّعون بين هذه الأقطاب الثلاثة في علاقاتٍ تصلها بكلٍّ إلى درجةٍ تقلّ أو تزيد. 

اقترَب الدكتور محمد بخيت بهذا التصوُّر من مفهوم «الطبقة» المُستعصي في المَلَجَة الحضريّة في هامشٍ رأسماليّ؛ المَلجَة التي اعتنى الدكتور عبده سيمون بعرض بنائها من الخرطوم فجاكرتا إلى داكار. وهو مفهوم الطبقة الذي تعطّل عنده قلم المرحوم الدكتور كارل ماركس، الشيخ الإزيرق، في آخر مسوّدة «رأس المال»، الفصل 52، وفيه كتب شذرة لمّا تكتمل تحت عنوان «الطبقات»، وأدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح: 

«والسؤال الأول الذي تنبغي الإجابة عنه هو هذا: ما الذي يؤلِّف طبقة؟ تأتي الإجابة على هذا السؤال تلقائياً من الإجابة عن السؤال الآخر: ما الذي يجعل العمّال المأجورين والرأسماليين والمُلّاك العقاريين يؤلّفون الطبقات الاجتماعية الكبرى الثلاث؟ قاعدة ذلك من النظرة الأولى، تَماثُل الإيرادات مع مصادر الإيرادات. فهناك ثلاث مجموعات اجتماعية كبرى يعيش عناصرها، أي الأفراد الذين يؤلّفونها، من الأجور والربح والريع العقاري على التوالي، أي استخدام قوة عملهم، ورأسمالهم، وملكيتهم العقارية. ولكن من وجهة النظر هذه [وهذه للتذكير النظرة الأولى]، سيؤلّف الأطباء والموظّفون، على سبيل المثال، أيضاً طبقتين، لأنّهم ينتمون إلى مجموعتين اجتماعيتين مُتمايِزتَين، بينما يتلقّى أعضاء كلّ واحدة من هاتين المجموعتين إيراداتهم من المصدر الواحد نفسه. ولسوف ينطبق الأمر ذاته على تشعّب لا نهائيّ في المصالح والمراتب يؤلّفه تقسيم العمل الاجتماعي بين العمّال وكذلك بين الرأسماليّين والمُلّاك العقاريّين - فالأخيرون مثلاً ينقسمون إلى مالكي مَزارع كروم، مالكي حقول زراعيّة، مالكي غابات، مالكي مناجم، مالكي مصائد أسماك». [هنا تنقطع المسوّدة] .

(كارل ماركس، «رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، الجزء الثالث»، دار كارل ديتز، برلين، ط 33، 2010، ص 893).

فما مفهوم الطبقة الذي يتجلّى برَجْع البصر كَرّتين؟ ما المفهوم الذي انقطعت عنده المخطوطة، ولم يَصْفُ للمرحوم الإزيرق مكتوباً؟ قد لا ينعقد هذا المعنى بطُول التأمُّل، لكنْ قد يساعد مثل شغل الدكتور محمد بخيت على التعرّف على انزلاقٍ لمفهوم الطبقة وقد انحسر في «الكونكا» سترُ العمل المأجور وانقطع الإيراد إلا ما كان شلْباً وشفشفةً، وتدهورت التعريفات الإثنيّة إلى غلافٍ كاسد، فارغ رصاصٍ في مَلجَة صراعيّة، وتبعثرت الروحيّة في هُجنةٍ من تعويذاتٍ وتمائم أملاً في البقاء. بماذا تطفح «الكونكا» وقد انسَدّ المجرى؟


Schemers of Sudan: not over, not just yet

$
0
0
A mildly edited version of this piece was published in Atar English 26.
The London conference of powers to arrange Sudan’s affairs on Tuesday 15.04.2025 proved a fiasco of poor preparatory diplomacy. Simply phrased, nothing came of it. The conference was timed to coincide with the two years mark of Sudan’s “senseless” war to use the apolitical if not dismissive orientalist term commonly used by external observers and many of Sudan’s politicos who share their outlook and feed their analyses. The United Kingdom government invited foreign ministers and senior representatives from Canada, Chad, Egypt, Ethiopia, Kenya, Kingdom of Saudi Arabia, Norway, Qatar, South Sudan, Switzerland, Türkiye, United Arab Emirates, Uganda and United States of America, besides the League of Arab States (LAS), the European Union (EU) and the United Nations (UN) to deliberate on Sudan’s woes and reach some sort of consensus on a way forward as it were. The assortment of powers around the table is itself testimony to the degree of international meddling involved and its failure a witness of the deadlock at hand. 
Conspicuously absent from the workings of the conference were any domestic Sudanese political actors of credible standing or influence. But as the invitees were arguing in the halls of Lancaster House Sudan’s democratic politics were on display on the streets of London. Hundreds of Sudanese rallied on a working day to demonstrate against the Rapid Support Forces (RSF)’s devastation of the country, its peoples, their material achievements and their history and heritage, in short not the state as such but the entire social formation, and the UAE’s dedicated and through two years of war now well documented war effort sustaining its client RSF. The scale and scope of this effort which involves a transcontinental air lift of weapons, ammunitions and mercenaries from as far as Bulgaria and Columbia is beyond anything that Sudan has witnessed in its modern history in terms of military or propaganda technology for that matter save may be in proportion the successful British campaign to conquer Sudan in the closing years of the 19th century.
In proximity were however an assortment of Sudanese political figures who with some helping hand happened to be in London at the time, figures from the shattered politics of the ‘transitional period’ that followed the overthrow of former president Bashir’s rule in 2019/2020, who thanks to the same helping hand or set of hands continue to parade incessantly as Sudan’s civilian political alternative or the select guardians of this alternative. The Guardian neatly summarised in its editorial on the second anniversary of our “senseless” war the reasoning that informs the UK government and the set of Sudanese politicians who incidentally happened to be in London at the time of its conference. The same reasoning features in some form or another with variable adjustments in phrase or style in the writings and spoken opinions of a good chunk of Sudan’s “expert community”. This mujamala network joins a multigenerational crew of academics, humanitarians, diplomats and spooks and their “native” informants who through many years lived off Sudan’s crises, livelihoods that involve successful careers, academic positions and consultancies to powerful states and international organisations as generators of policy, but many of whom have failed to learn any useful Arabic for that matter any other of the languages spoken in Sudan. 
The main elements of the The Guardian’s view are a brutal power struggle between two generals, a population under global slaughter by the two sides, the interests of other states, wronged democratic civilian politicians evicted by the two generals from power in a coup, hardline Islamists scheming in the shadows to reclaim rule and increasing ethnic divisions. The order and merit of each of these elements is indeterminate, a witch’s brew that has crystallised into a dogma resistant to meaningful interrogation or investigation. And es events unfold, history works at leaps in time of war, this prism is adamantly employed in their interpretation as if nothing changes. In many ways, it is a prism that produces an orientalist drama of momentous events but no changes, no history. People are evicted from the record as passive victims of slaughter and destruction persevering in the corridors until something gives.
The variant conclusions drawn from this brew are ideological choices or inclinations, often but not always, to employ a bit of vulgar Marxism, informed by not so opaque occupational interests. Alex de Waal concluded with a flourish of Schadenfreude one month into the war that it was a reckoning with Khartoum’s 200 years history of rapacious plunder, a reckoning with the ravages perpetrated by the heirs of Zubeir Pasha, the 19thcentury slave trader, who turned the rest of the country beyond Khartoum into a “social and economic wasteland”. It begs some explanation to dismiss Sudan’s second largest city Nyala or the Darfuri capital Al Fasher or for that matter the sleepy towns of Al Gezira as wasteland. As Orientalism goes this would be a Bringi. One wonders what sort of reckoning is awaiting the current population of London, the heirs of Rhodes et al., in the crystal bowl of de Waal’s philosophy of history. 
Joshua Craze and co-authors argued with the Quran of impending and actual famine that Sudan’s sovereignty was no more, what was left was the authority of SAF, and that should be bypassed by an international humanitarian intervention from a regional centre, preferably Nairobi. It is indeed a nice city with many amenities. In a recent piece Craze, this time alone, declared Sudanese sovereignty like the destroyed Presidential Palace “empty”. Craze rightfully celebrated the initiative and resourcefulness of Sudan’s emergency response rooms who have shouldered some of the responsibility of organising food and health care in the absence the now “non-sovereign” state. Many others are involved too but are invisible to the international Sudan industry because like the resistance committees they organise largely horizontally, do not rely on USAID funds and do not speak the idiom of NGOs. Extended families, neighbourhood solidarities, village and town associations, occupational groups, tareeqa communities, traders’ guilds, farmers’ cooperatives, merchant and business lobbies to name some notable examples have all done and continue to do their bit, rallying across borders to sustain their communities, their schools and universities. Otherwise phrased, the resistance committees borrow and build on a longer and more entrenched tradition of mutual aid and solidarity that goes deeper and further than the state. Craze sees only the ears of the elephant as it were. 
Craze also made the recurring point of drawing the distinction between the response rooms and the militants of the resistance committees who took up arms to fight “next to the Islamists whom they pushed out of power” in his phrasing. He missed though what they are fighting against and what they are fighting for. The distinction is however a mute one if you consider that both, unarmed and armed, are motivated by the common necessity of resisting the violent onslaught of the RSF and their patrons, and are not distinguishable in social terms but are often the same individuals and not fifty shades of grey. It is also worth considering what the term “Islamists” refers to in this context, whether the Islamic idiom of the twenty something recruit who fights alongside the militants of the resistance committees is to be equated with the politics of the high priests of the National Congress Party (NCP) evicted from power in the revolutionary tide of 2019/2020, many of whom are now bitter pensioners in Istanbul. 
Obviously neither Alex de Waal, Joshua Craze nor many in the Sudan “expert community” can be blamed for giving up on the country and its peoples from their position of observation, it is not exactly a hopeful situation. Others were more outspoken and went the next step concluding in ambiguous or less ambiguous terms that only the strong arm of the international community, effectively an invitation for armed intervention with the “democratic” dressing of some Karzai or many Karzais, can save it from itself, i.e. a greater war. This Journal has a made a point of investigating and documenting every step in the other direction, the solidarity, the resourcefulness, the steadfastness, the generosity of a “sovereign” people with the contradictions and unexpected twists and turns involved as they resist a transcontinental campaign of subjugation. In the “wasteland” which now includes devastated Khartoum, every farmer who manages to reclaim his production and get some food to the constrained market, every worker who struggles to repair water and electricity supplies”, every health care provider who tends to the ill, every volunteer who keeps food kitchens running, every earner who donates little or much to sustain families, neighbours, communities or institutions, and every fighter who takes up a gun against this force of devastation and plunder is celebrated. And they scheme and Allah schemes, and Allah is the keenest of schemers! 

ذكريات لينين - كلارا زتكين

$
0
0

هذا تعريب كتاب «ذكريات لينين» للمناضلة الأممية كلارا زتكين (١٨٥٧ - ١٩٣٣)، وكتبته في العام ١٩٢٥، وأردفت التعريب بمقدمة عن العالم الذي نضجت فيه سياسة زتكين، الثورة والثورة المضادة في ألمانيا في ١٩١٩. وخالص الشكر لفريق القسم العربي لإرشيف الماركسيين على الإنترنت، الذين تولوه بالنشر، وخاص الشكر للزميل علي بطحة. 

https://www.marxists.org/arabic/archive/zetkin/1925/Reminiscences-of-Lenin.html 



مؤتمر لندن: شعبك أقوى وأكبر مما كان العدو يتصور

$
0
0

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٧٤ بتاريخ ٢٤ أبريل ٢٠٢٥.  

قام في ١٥ أبريل الجاري مؤتمر في لندن دعت له الحكومة البريطانية لتدبير شؤون السودان وقعد قبل أن يقوم مستقيما، تمخض فولد فأرا. انتهى إلى بيان قصير من رئاسة المؤتمر لم يتفق عليه أقطابه، كررت فيه رئاسة المؤتمر عبارات تقية عن ضرورة وقف الحرب وإسعاف المدنيين. جاء تصميم المؤتمر ليوافق الذكرى الثانية لاندلاع حربنا «العبثية»، وهي العبارة الأثيرة لوصف ما بنا عند مراقبي أحوال السودان من غير أهله ومن يوالونهم الرأي ويرفدون تصوراتهم كومبارس أو كورس، كيفما اتفق. و«العبث» غير المعنى، طرد من التاريخ يرشح بالكبر الاستشراقي. وللمقارنة، للقارئة أن تتساءل إن كان يصح وصف حروب يوغوسلافيا السابقة على عنفها أو دمويتها بالعبثية. وعادة ما يسفر أرباب «العبثية» عن باطن لهذه العبارة غير ظاهرها بردهم الحرب إلى أسباب هيكلية عميقة أو مؤامرة متينة للنظام السابق، فإما «عبثية» أو «هيكلية» أو «مؤامرة» ولا يجتمعن بغير تفسير قويم. 

على كل، دعت الحكومة البريطانية لمؤتمر لندن وزراء خارجية وممثلين مرموقين لكل من كندا، تشاد، مصر، اثيوبيا كينيا، المملكة العربية السعودية، النرويج، قطر، جنوب السودان، سويسرا، تركيا، الإمارات العربية المتحدة، الولايات المتحدة الأميركية إلى جانب جامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة للتباحث في مصاب السودان واهتبال طريق ما إلى الأمام. وكشكول القوى الدولية والإقليمية حول الطاولة دلالة على مدى تبضع شؤون السودان في بازار علاقات الشوكة الدولية وفشله دلالة أعظم على انسداد هذا الطريق غير الموجود، زقاق ضيق أعمى تحيط به أسوار حصينة من المصالح الغيرية. 

غاب، أو قل غُيّب عن مؤتمر لندن أي طرف سياسي سوداني محلي ذو اعتبار حق ونفوذ. لكن بينما اجتمع الدبلوماسيون في لانكاستر هاوس، وشغل حجاجهم قاعاته الفخمة، عرض أهل السودان غريزتهم الديمقراطية لايڤ في شوارع لندن. والمبنى من العصر الامبريالي البريطاني (شيد في العام ١٨٢٥) تتخذه الخارجية البريطانية دار ضيافة منذ العام ١٩١٣، وكان مسرحا لأفلام شرلوك هولمز ومؤخرا بالإيجار لمثل مسلسل «التاج» عن حياة الملكة الزابيث الثانية. تظاهر خارج هذا المبنى المئات من أهلك الذين «هبوا» للنصرة في يوم عمل ضد تخريب الدعم السريع للبلاد وحياة أهلها، ومنجزاتها المادية وتاريخها وروحيتها، بالمختصر تهديده كامل التكوين الاجتماعي وليس «الدولة» وبس مقطوعة الطاري، ونددوا بالمجهود الحربي الإماراتي الممتد خلال عامين من الحرب لصالح وكيلها الدعم السريع. ولم يعد هذا المدد الحربي سرا فقد ثبت قطعا وجزما، وبلغ من حيث الحجم والمدى مبلغا بعيدا بما في ذلك خط إمداد جوي مستمر ينقل السلاح والذخائر والمرتزقة من جهات الأرض، حتى بلغاريا وكولومبيا. وفاق بذلك كل ما طرأ على السودان من تدخل حربي في تاريخه الحديث من حيث التكنولوجيا القتالية والدعائية إلا ربما باعتبار قياس العصر الحملة البريطانية الناجحة لاحتلال السودان في أصيل القرن التاسع عشر. 

حام في «الأجواء» اللندنية تلك نفر مختار من الأعلام السياسيين السودانيين هيأت لهم يد الدبلوماسية الخفية التواجد في لندن في ميقات المؤتمر، نفر من حطام الفترة الانتقالية التي أعقبت الثورة على نظام الرئيس البشير، وما زالوا على تلك الموجدة تقدمهم ذات اليد أو الأيادي على أنهم بديل السودان المدني الديمقراطي أو الأمناء عليه. اختصرت جريدة «الغارديان» البريطانية في كلمة تحرير قصيرةبمناسبة العيد الثاني لحربنا «العبثية» الحجة التي تقول بها الحكومة البريطانية وكذلك هذا النفر من السياسيين السودانيين الذين اتفق وجودهم في لندن أوان مؤتمرها. وتطرأ ذات الحجة بصورة وأخرى مع تعديلات متباينة في الصياغة أو السمت في الآراء المكتوبة والمنطوقة لقسط عظيم من مجتمع «خبراء السودان». وهذه شبكة مجاملة تجمع فريقا متعدد الأجيال من الأكاديميين، والعاملين في العون الإنساني الدولي، والدبلوماسيين والأمنجية ومخبريهم المحليين الذين يقوم معاشهم منذ عهود على أزمات السودان، معاش تحققت به سير مهنية ناجحة ومواقع أكاديمية مرموقة واستشارات لدول غالبة ومنظمات مهيبة، هذا وإن فشل العديد منهم حتى ساعتنا هذه في تعلم اللغة العربية أو أي لغة أخرى من لغات ناس السودان العديدة. 

فما عناصر هذه الحجة؟ عرضت الغارديان على القارئة صراعا دمويا على السلطة بين جنرالين، وسكانا قيد التقتيل المطلوق على يد الجانبين، ومصالح دول أخرى، وسياسيين مدنيين ديمقراطيين مظلومين أزاحهم الجنرالان من السلطة في انقلاب، وإسلاميين متعصبين يتآمرون خلف الكواليس لاستعادة الحكم، وانقسامات إثنية متعاظمة. لكن لا تمييز لوزن أي من هذه العناصر أو لترتيبها، تضطرب بغير تحديد كأنها عناصر تعويذة، ضرس شمال لغنماية بها عرج في ساقها الأمامي اليسار ودم أم سيسي بيضاء بنقطة سوداء في جبهتها إلى جهة اليمين قليلا، وخرزتين ومحلب أصلي. وصارت بهذا التشكيل «العبثي» عقيدة دوغمائية تقاوم الاستقصاء والبحث المكين. وها قد مر عامان على الحرب، والحرب كما الثورة وأوقع معمل لتسارع التاريخ بالخطوة العريضة. لكن يظل المنظار على ما هو عليه، على طريقة الكلام الأول ما بتحول، فيمر التاريخ دورة كأن لم يحدث شيء، مكانك سر. والعقدة أن هذا المنظار يعكس ما يختلط في ذهن الناظر من تصورات لا ما يطرأ على موضوع النظر، فهو يكشف للناظر ما يبطن من تصورات «استشراقية» عن دراما كبرى، مقتلة ومؤامرة وخيانة ومجاعة ومسغبة وأبطال عكس ما إنك، تتواتر أحداثها الجسيمة، لكن آخر الأمر لا يحدث شي البتة وتنتهي حليمة عند قديمها الذي بدأت منه. يغيب عن هذه الدراما الناس سوى كضحايا للمجازر والخراب، عناصر كومبرس في فيلم آكشن، يشغلون الخلفية حتى تنتهي المشاهد. 

تتنوع الخلاصات التي يخرج بها مجتمع «الخبراء» هذا من هذه التعويذة بدرجة أو أخرى، بحسب الاختيار أو المزاج الآيديولوجي، لكن قاعدة هذه الخلاصات في أحيان كثيرة وليس في كلها متى قبلنا ببعض الماركسية المبتذلة حافز قليل الستر من المصالح المهنية. انتهى العالم بشؤون السودانآلكس دو ڤال في كلمة له والحرب بعد في شهرها الأولإلى شماتة ظاهرة فقال الحرب حساب على مئتي عام من تاريخ الخرطوم المدينة في السلب الجشع، حساب على فظائع نسبها لأحفاد الزبير باشا، وقال حولوا كل ما هو خارج الخرطوم إلى "قحط اجتماعي واقتصادي."قد تتساءل القارئة إذا كان من الإنصاف اختزال تاريخ مئتي عام من الحياة الحضرية بعمرانها وصراعاتها في هذا التصور المبتذل للتاريخ أو إذا كان من الإنصاف نسبة ملايين النفوس فيهم المحسنة والمناضلة والداية والمعلمة الله يزيدها، والركع والسجود، إلى بطل مضاد من القرن التاسع عشر. أما نعت كل ما هو خارج الخرطوم بالقحط الاجتماعي والاقتصادي فعبارة درامية من خارج التاريخ، وتستحق القارئة تفسيرا لركل نيالا ثاني أكبر مدينة في البلاد وعاصمة دارفور الفاشر ومدن الجزيرة الناعسة وغيرها تحت القطار المَرَّ. أما المقارنة فتفتح الباب للتساؤل عما ينتظر مثل لندن، عاصمة الإمبراطورية البريطانية حتى غربت شمسها، من حساب متى أخذنا بفلسفة آلكس دو ڤال للتاريخ. 

أما جوشوا كريز وزميلتيهفاحتجوا بمصحف المجاعة أو تهديدها على الأسنة أن «سيادة» السودان انتفت، ولم يبق منها سوى سلطان القوات المسلحة، والواجب التغاضي عنها وابتدار تدخل إنساني عظيم لإنقاذ السودانيين من أنفسهم، وذلك من عاصمة إقليمية، ربما نيروبي، وقالوا مهيئة تطيب لهذا الغرض. عاد كريز إلى ذات القضية في كلمة أخيرة، وقال هذه المرة سيادة السودان خواء كخواء القصر الحطام على النيل. احتفى كريز محقا بمبادرة ونجاعة غرف الطوارئ في التصدي لمهام الطعام والعلاج في غياب الدولة التي قال طارت سيادتها. والغرف ليست وحدها فهي طرف من أرخبيل للتضامن والعون المتبادل لا يدركه مجتمع «خبراء السودان» ولا تدركه صناعة العون الإنساني الدولية لأنه لا ينطق برطانة «المنظمات غير الحكومية» ولا يعتمد على مال «المعونة الأميركية». ويقوم هذا الأرخبيل على تنظيم تغلب عليه ديمقراطية أفقية مثله ولجان المقاومة، فهي من هذه الخبرة الاجتماعية التي تضم الأسرة الممتدة وخوة الحي ونفير الحلة والقرية والطرق الصوفية ومجتمع المسيد وهيئات التجار والمزارعين وروابطهم وعصبية المهنة والدفعة ووجوه أخرى وتشكيلات للتنظيم «المدني»، سارت عندنا تحت عنوان «الأهلية» قبل أن تنطلق فينا رطانة «المجتمع المدني». وهي صور للتضامن والعون والصمود أسبق على الدولة مقطوعة الطاري وأعمق منها، والله وكيل الغافلين. 

أعاد كريز في كلمته تمييزا تكرر على لسانه وعلى لسان غيره بين غرف الطوارئ ومناضلي لجان المقاومة الذي تسلحوا للقتال "إلى جانب الإسلاميين الذين سبق وأزاحوهم عن السلطة"بعبارته. لكن لم يتطرق كريز في تمييزه إلى موضوع القتال ولا غرضه، فلا قال عن ماذا يحاربون وأو من أجل ماذا. والتمييز ساقط متى ما أخذت بحقيقة أن المتطوع بغير سلاح والمتطوع بسلاح مدفوع بضرورة حاكمة، ضرورة مقاومة الانقضاض الباطش للدعم السريع وأولياءه على كامل التكوين الاجتماعي، على بيتنا وشارع بيتنا. بل ويصعب تمييز المتطوع بغير سلاح والمتطوع بسلاح من حيث التركيب الاجتماعي فهذا هو ذاك، تتطابق نفوسهم. وربما أسعف القارئة الاعتبار في هوية «الإسلاميين» في هذا السياق، فهل العشريني الذي يلهج بعبارة «إسلامية» وهو يجابه موته مقاتلا إلى جانب مناضلي لجان المقاومة المسلحين هو صورة كرادلة «المؤتمر الوطني»، من أطاحت بهم الثورة في ٢٠١٩/٢٠٢٠، وآلة ألاعيبهم السياسية، وقد أحال العديد منهم نفسه إلى المعاش في إسطنبول يلوك ما مضى اجترارا، "الدنيا ليل وغربة ومطر."أهذا تاريخ إذن سيدتي أم جر هوا؟ 

بطبيعة الحال، لا يمكن لوم الدكتور آلكس دو ڤال ولا الأستاذ جوشوا كريز ولا سواهم من مجتمع «خبراء السودان» على القنوط من السودان وأهله من موقع المراقب، فالحالة صعبة. تجرأ سواهم لكن على أكثر وذهبوا خطوة أبعد في القنوط فقالوا ما يفيد ألا خلاص سوى بيد المجتمع الدولي القوية، دعوتهم جهرا وسرا إلى تدخل دولي عسكري في السودان بتمومة جرتق ديمقراطية كرزاي أو عدة كرزايات، فهذا سبيلهم لإنقاذ السودان من نفسه، بعبارة أخرى حرب أعظم وأشد. شغلت هذه المجلة نفسها منذ قامت بالبحث والتقصي في كل خطوة لأهل السودان أسياد أنفسهم في الاتجاه المضاد، كل خطوة للتضامن والعون المتبادل والصمود والمكابدة بما في ذلك من تناقضات وتحولات وهم يقاومون جبروت حملة إخضاع عابرة للقارات. والحق الاحتفاء والبشارة بكل مزارع استعاد الإنتاج وبلغ بالطعام السوق المتضايق، وكل عامل يصب عرقه في إعادة تشغيل الموية والنور مجازفات، وكل مهني يقوم على الجرحى والمرضى بما تيسر، وكل متطوع في تكية ومطبخ وكل كسيب بالحلال أخرج من ماله قليل أو كثير لصيانة الأسرة والجيران والحبان والمؤسسات، وكل مقاتل قام بسلاحه ضد قوى الخراب التي تفتك بأهلك. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين. 

نوتة من علم الكونكا (٦-١٠)

$
0
0

 أعرفي مقام نفسِك براك

ما تسألي الزول المعاك

...

تباشي كلبة ميتة

كلبة ميتة، كلبة ميتة

جنوبيين نار الضَّلِع

علي تباشي في الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

انت ساكن الكُوْنِكا

بِسْ!

حميدتي نار الضَّلِع! 

الساكن جبرة نار الضَّلِع!

في المخدّة.

       من أغنية «نار الضَّلِع» للفنانة مروة الدولية.


[6]

استخرج الدكتور محمد بخيت من شاغله الأكاديميّ بحي البرَكة «كرتون كسلا» في شرق النيل - وهو شاغلٌ سَكَنَ به الحيَّ وعاشَرَ أهلَه لشهور في العامين 2010 و2012 - تصوُّراً للتقسيم الاجتماعيّ غَيْر الذي كان استقرّ في الأدب السياسيّ تحت عنوان «التعدُّد» الإثنيّ، العِرقيّ، الثقافيّ، الدينيّ... إلخ. وجد الدكتور محمد في كرتون كسلا ما أرشَدَه إلى خريطةٍ أخرى غير الفسيفساء العِرقيّة الإثنيّة الدينيّة؛ خريطة تنشأ بالدرجة الأولى من تنوُّع سُبل كسب العيش، وبالدرجة الثانية من تحوُّل هذه السّبل عبر التاريخ المادّي؛ وهي بذلك مخروطٌ اجتماعيٌّ في الزمان والمكان، كائنٌ متحوّلٌ في التاريخ، وليست خريطةً صمَديّةً ساكنةً كما مفهوم الفسيفساء الذي أغشى البصائر. واقترب الدكتور محمد بخيت بهذا التصوّر من مفهوم «الطبقة الاجتماعيّة» كما عَنَّ للشيخ الإزيرق، المرحوم كارل ماركس، في المَلَجة الصناعيّة الإنجليزيّة خلال القرن التاسع عشر، المفهوم العسير على بساطته حتى أنّ صاحبه قَلَّبَ أوجُهَه بالتمحيص ألّا يُفلت منه بقرينة النظرة الأولى، في نوتة أخيرة من كتابه العظيم «رأس المال». وأوّلُ نظرةٍ باعثةٌ على الجنون، كما في شِعْرِ المرحوم محمد بشير عتيق، وليس الإفهام، «من أوّل نظرة، رشَقَتْني عيونو، جذَبَتْني فنونو، وبقيت مجنونو»، أو كما قال. 

دخل أهل كرتون كسلا، ومايو، وسائر إقليم «الكُونِكا» الحضريّة، قاموس السياسة المعاصرة بعبارة الفسيفساء الصّمَديّة، العبارة التي زكّتها الحركة الشعبية لتحرير السودان، ونشوةُ الشّوكة تسري بقادتها، خلال أعوام الفترة الانتقاليّة لاتفاقيّة السلام الشامل (2005-2011) بينها وحكومة السودان. كان بعضُ وعدِ قادة الحركة الشعبيّة أنَّ شُغلَهم اكتشافُ اسمٍ وصوتٍ سياسيٍّ لهذا الجمهور الحضريّ الفائض، ورشَّحوا لذلك عبارة «المُهمَّشين» في مقابل «المركز» بوصفه ثوباً واسعاً يَشمل نازحين وغلابة. وأضاف عليهم المُرشّح الرئاسي ياسر سعيد عرمان، في تخريجٍ تالٍ، النساءَ والشبابَ، كيفما اتفق، وفئاتٍ أخرى بحسب ما واتته البلاغة. لكنْ، لم يَبلُغ هذا السّعي مدرجاً بعيداً؛ إذ تعَسَّر على قادة الحركة أن يَرْعوا ذمّة الفسيفساء التي قامت لنصرهم في مشاهد عظيمة، في استقبال الدكتور جون قرنق المهيب، ثم الليالي السياسيّة لحملة الزعيم ياسر عرمان «الأمل والتغيير» في أطراف الخرطوم، حتى نَطَّ نَطَّته الشّهيرة وسالت دموع شيعته المكلومة جداول. فضَّل قادة الحركة الشعبية، آخرَ الأمر، سلامةَ القوميّة الجنوبيّة على هذا «اللَّمُوم» مطموس الهويّة. وتيَتَّم «المهمّشون» في سوقٍ سياسيّةٍ لا تسير فيها عُمْلتُهم إلا أن يكونوا أجساداً مُقاتِلة. بل قَلَبَ قادة الحركة، وقد قامت دولتُهم كنزُ الفرح، ظهرَ المِجَنّ، وبِسْراع، لكلِّ مَن لم يَلحق بركب القوميّة الجنوبيّة، وإنْ كان جنوبياً ود جنوبيّة، وظلّ في محطّة «سودان جديد، وِييي»، ينتظر غودو التي تأتي ولا تأتي، كغَشِيم لم يفهم من حرب التحرير شيئاً.

وربما كان منشأ الصعوبة التي حالت دون أن يكشكش سَطْل المهمّشين بقوّة؛ أنَّ مثل الهُجنة التي تفرَّغ لدراستها الدكتور محمد بخيت في كرتون كسلا، وأدهشت من قَبْله الدكتور عبده سيمون في مايو بروحيّتها الكونيّة من جاكرتا إلى داكار، تتمنَّع على الترجمة السياسيّة في صورة الفسيفساء الساكنة، زنج وعرب وما بينهما؛ فتعشيقتها ليست أوتوماتيك، فَوْوْو! فما هي إذن أبعاد هذا المخروط الحادّ كما تلمّسه الدكتور محمد بخيت عن قرب في دراسته الإثنوغرافيّة؟ لهذا الغرض، عاد الدكتور محمد بخيت إلى ساعة الأزمة الطاحنة في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، منشأ الكُونِكا الواسعة، وفيها تلازَمَت كوارث أخذت بخناق بعضها البعض: الجفاف القارّيّ العظيم الذي ضرَب سهول كردفان ودارفور وتلال البجا، الحرب الأهليّة في جنوب السودان، وكساد اقتصاد القطن في السهل الزراعيّ الوسيط الذي كان قوام الدولة المركزيّة. 

استقبل حضَرُ الخرطوم الغارق في الكساد أفواجاً غالبةً ممّن تقطّعت بهم سُبل العيش، وحينها لم تكن قدرة اقتصاده الصناعيّ، وهو موقع استقبال الأيادي العاملة، تعمل بأكثر من 30 %من طاقتها المحدودة أصلاً. نافَسَ القادمون الجددُ سابقين في المسغبة. وكانت السُّلطات في أول السبعينيات قد نقلت من تقطّعَت بهم السّبل داخل المدينة، من كرتون الخرطوم ثلاثة، وعِشَش فلّاتة، وكرتون سوبا، إلى جهة مايو. كذلك نَقلت حوالي عشرين ألفاً من النفوس من كرتون شمبات والمنطقة الصناعيّة إلى جهة الحاج يوسف التي جرى تقسيم أصلها إلى ثلاثة آلاف قطعة سكنيّة. 

نشأ كرتون كسلا فائضاً عشوائيّاً على حي الحاج يوسف؛ حي «الوحدة الوطنية» الجديد. ثم أجرى المخطِّط الحضريّ قلَمَه على كرتون كسلا في 1992-1994 إلى مربّعات، يضمّ كلٌّ منها 10-18 قطعة سكنيّة، بينها ميادين صغيرة، وتتوسّط كلّ وحدة منها منطقة خدميّة، فانقلب الكرتون إلى حي البرَكة. لكنْ لم يكن هذا الانقلاب محض مكر لغويّ كيزانيّ كما يبدو من أول وهلة. الواقع أنّ النعت الجديد وافَقَ تقسيماً باطنياً بين أهل كرتون كسلا، هو تدرُّجٌ في التقاط أشاير السوق في السياق الحضريّ؛ والكُونِكا إذن ليست لُجَّةً فقط إنما لها شاطئ ومَدّ وجَزْر. من علامات ذلك في شغل الدكتور محمد بخيت ما استفاده من تكنولوجيا البناء في حي البركة؛ إذ أثبَتَ تزاوجاً بين المهارات التي جاء بها النازح والمهارات التي تعلَّمَها من البيئة الحضرية المُحيطة، بخاصة من نشأ في حي البركة حدثاً لا يعرف غيره موطناً، وذلك على شفرة ما يفوز به من دَخْل، أي نجاحه في حصاد ما تطرحه عوامل السوق من فُرَص. تشمل دورةُ الحياة في حي البركة التحضيرَ لموسم الأمطار، وذلك في مايو/ يونيو، فتنشغل الفئات العاملة بتأهيل جدران البيوت بكسوة جديدة من «الزِّبَالة» على طوب أخدر، وتجديد الأسقف من الحطب والقنا. فرَز الدكتور محمد بخيت فئةً بلغت بها المقدرة، أنْ كَسَت الجدران طبقة رقيقة من الأسمنت على باطن من الطوب الأخدر فبدت ظاهراً كأنها من طوب أحمر، سهم «العبور» إلى الطبقة الوسطى. ثم برزت فئة جديدة أقلّ عدداً دخلت بالتقيل فجاءت بالطوب الأحمر والأسمنت المسلّح عديل. وقال الدكتور محمد بخيت: زادت هذه الفئة المُنتصِرة عدداً خلال سكناه حي البركة، واتخذ هذا التحوُّل دلالة على الرفاه. هذا بينما ظلَّ سواهم من أهل الحي على سترة رقيقة من رواكيب الخَيْش والأكياس في قطع سكنيّة خالية من البناء أو في جوار بيوت قائمة. لا تحيط قطع الفسيفساء في حساب الدكتور محمد بخيت بهذا التحوّل، الذي عَدَّه تباعداً بين «فقراء» و«أغنياء»، سبق بعضُهم بعضاً وقد كانوا في مِيس واحد. 

أما عوامل السوق، التي قام عليها هذا التباعد، فقد جمَعَها الدكتور محمد بخيت تحت عنوان «الاقتصاد غير المنظَّم»، ونقَل عن الدكتورة سارا بانتوليانو تقديراً من إحصاء المنظّمات غير الحكوميّة الغربيّة في العام 2011، يقول إنّه استوعب 45 %من القوى العاملة في حضر الخرطوم. في المقابل، يطرح «الاقتصاد المنظَّم» فرصاً محدودةً للعمل بأجر في المستويات الدنيا من القطاع الحكومي، بالدرجة الأولى كجنود في الجيش أو البوليس، أو كعمّال غير مَهرة في القطاع الصناعي. وجاء الدكتور محمد بخيت ببيانٍ على فضل «الاقتصاد غير المنظَّم»، وقال إنّ قدرته الاستيعابيّة غير محدودة، ويُتيح سلّماً للترقّي يتحوَّل به الكرتون إلى برَكة. وإشارة النجاح فيه هي استطاعة البعض التجريب بين نشاطٍ وآخر من نشاطات التجارة الصّغيرة، والضّعيف يقع والسّمين يقيف. يتراكم طالبو الرّبح حول نشاط واعد، التجميل «قَدِّر ظروفك» مثلاً، حتى تكسد أرباحه، فتلتقط شاطرةٌ، فاردةً نشاطاً جديداً أوفر ربحاً، تحويلَ الرصيد مثلاً، حتى يكسد بتراكم المُنافسين، وهكذا دواليك. هذا، بينما اعتمدت فئةٌ أخرى، من نساء الحيّ اللائي خَبُرن الزراعة في مواطنهنّ، على العمل المأجور في المزارع القريبة، واعتمدت غيرهنّ على مهارات منزليّة مثل صناعة الطعام وبيعه لجمهور السوق، وصناعة الخمور وبيعها، تلك التي ساءت الدكتور حسن مكي. إذن، كشَف الدكتور محمد بخيت، تحت عارض فسيفساء التعدّد تلك، عن علاقاتِ عملٍ نَجَم عنها تباعدٌ بين «أغنياء» و«فقراء»، بلغ هؤلاء القيفَة وكابَدَ أولئك الغرق.

 

[7]

وَقَع الدكتور محمد بخيت في حي البركة «كرتون كسلا» في الفترة 2010-2012 على مفهوم «الطبقة»، وإنْ لم يَنطق به صراحةً، ولم يكن من عدّة شغله، وقد جاء بمفاهيم من الإثنوغرافيا والأنثربولوجيا وليس الاقتصاد السياسي. لكن لم تَقْدر هذه المفاهيم على الإحاطة بما شَهِدَ من تحوّلات، ولم تسعفه في تمييز فئات التكوين الاجتماعي الضاجّ بالانقطاعات والتقلّبات أمامه، فانتهى إلى تبويبٍ «طبقيّ» بين ثلاث فئات على حدودٍ غير حدودِ العِرْق والإثنيّة واللّغة. قام تبويبُ الدكتور محمد بخيت لمجتمع حي البركة على مفصلَيْن، سُبل كسب العيش، والجيل. والمفصل الأوّل من حَرْث الاقتصاد، والثاني معاملٌ للتحوّل عبر الزّمان والمكان، معاملٌ للتغيير، وهو المعامل الذي يُشنّف تبويَبه بفطنة الديالكتيك؛ الفطنة التي تتيح إدراك التحوّلات في حال تحوُّلها وتحرُّر البصر من صنميّة الآن. فاصَلَ الدكتور محمد بخيت بين ثلاث فئات بينها قناطر، فهي ليست زنازين انفراديّة، ولكنها جهاتٌ في حوش واحد، أو حوش وَرَّاني وحوش قِدَّامي وزقاق طويل بينهما، وأكثر من باب نحو الشارع. 

الفئة الأولى جيلٌ مخضرمٌ من الزعامات الأبويّة، عُمَد ورجال عشائر ورجال دِين، مَعاشُهم سَلْخٌ من رأس المال الاجتماعي، فما يجدونه من حظوةٍ هو دالّةٌ لمكانتهم الاجتماعيّة وما يستطيعون من سُلطة على محدوديّتها في محيطهم المباشر. فمنهم صاحب الموقع في «اللجنة الشعبية» إيّاها؛ القائم على توزيع الأراضي أو تسليعها، فيكتب لنفسه وأهله قطعة رقم (...) تلو الأخرى. ومنهم الرجل الأوّل في السوق، قوَّال المحليّة، مَن يختار لنفسه الدكّان الناصية على الزّلط، ويحرم غريمه من الرّخصة التجارية أو يسلّط عليه جماعة الضرائب. ومنهم وصلة ديوان الزكاة في المنطقة، يحدِّد مَن الأرملة التي تستحقّ العون، ويُقَوِّل على الأخرى ببيع العَرَقي، ويوزّع بطاقات التأمين الصحّي على أهلٍ وأحبابٍ ويُمسِكُها عن آخرين، طَليقِ البنت وأهلِه. ومنهم صاحب العِمَّة السياسيّة الكبيرة، سمسار الجماهير الذي يجمع الناس كيفما اتّفق ليوم المَسيرة ويوم الانتخابات مقاولةً، الواحد بعشرة وسكراتش، تعال وجيب معاك أخوك. وقد تجتمع هذه الشخصيّات في نفسٍ واحدة، بَنْجْ متعدّد الوظائف كالمفتاح الإنجليزي؛ عشرة سُنون وسِنَّة.

والفئة الثانية جيلٌ تالٍ من المتعلّمين، منهم مَن نشأ في كنف الجيل المخضرم فاستفاد ممّا أتاحت تلك المجازفات من تراكمٍ وتحرّرٍ من كَدّ المعاش طفلاً، فسَلَك في التعليم وتدرَّجَ حتى بلغ مهارة الوظيفة ولو نَفَرْ في البوليس، أو من وَجَد نفسَه عند شطّ الكونكا بقَضْم التضخّم وتدهور المعاش، فجاء إلى حي البركة نازحاً. ضمَّ الدكتور محمد بخيت إلى هذه الفئةِ الباعةَ بأجناسهم، من صاحب الدكّان الناصية إلى ستّ الشّاي وستّ العَرَقي. والمشترك بين هؤلاء وأولئك أنهم جميعاً ممن وَجدوا موقعاً في السوق واقتصاده، واتّصلت أسلاكهم بهذه الكبّانيّة الكبيرة إذا جاز التعبير، وصارت لهم بذلك مصلحة مشتركة في رعاية قواعد «النظام» أيّاً كانت، يَعرفُ أحدُهم بأيّ وسيلةٍ يَبلُغ الرّخصة التجاريّة، وبأي ثمن، وكيف يراوغ جماعة المحليّة، وبأي تكتيكات، وكيف يتفادى بأس النظام العام، بِجازِفها. 

أما الفئة الثالثة، الأحدث والأعظم، فهي الفائض الذي لا موقع له يَعتدُّ به في «النظام» قائماً سوى كاحتياطٍ يَنْكَشِح حول بنائه؛ كُسَّار طوب ورمل وروث، فهو داخل فيه وليس منه في آن واحد، فائضٌ من «الشمّاسة» و«العصبجيّة»، معاشُهم في «الشّفْشَفة» بصور مختلفة، والزمالة بينهم «العصابة»، فريق عمل لمهمّة تتجدّد بالنجاح وتنهدّ بالفشل. ومَوقعُهم «بَرّاني» على قواعده، فلا وسيلة لهم للاستفادة من هذه القواعد، لا ينفعهم شيئاً أنّ زوجة زعيم اللجنة الشعبية الجديدة هي أختٌ لصاحب البنشر السُّكُرْجي من الحِلّة الفوق، ومن أراد رخصةً لكُشكٍ فلصاحب البنشر واسطةٌ ونصيب. فلا وسيلة لهم للفوز بنصيبٍ من الثروة الاجتماعيّة غير «المُزازاة» فوق المجازفات أو «شَفْشَفة»، وهي «هَمْبَتَة» بغير النُّبل الشاعري، حُجَّتهم على الناس: إنتَ أبوك بيدِّيك، نحن البيدِّينا منو؟

وعقدة «الشّفْشَفة» كما «الهَمْبَتة» أنها لا تَبلُغ التراكم، فآخر محطّتها الاستهلاك، وتبدأ الدّورة من جديد. وغرَضُ بطل العصابة الأوّل كغرض «الهَمْبَاتي» مِن قَبله؛ «مُتْعَتِي وعَجَنِي»، في الآن، وليس غداً. لذلك قد تهجم عصابة محترفة على سوق 6 في الحاج يوسف للَهْوِ يومٍ وحفلة دي جي لا غير. وللعصابة، متى نجحت، شفرةٌ من الإشارات غير المنطوقة تشمل «تعليمات» الهجوم والانسحاب قد لا تدركها حتى عصابة منافِسة. 

وللعصابات أسماء وشعارات وأزياء. قامت في الحاج يوسف عصابة «لوست بويز» لبطلها «تنقو»، وقَبْلها في جمهورية الكَلاكلة، منذ منتصف التسعينيات، عصابة «أولاد جون» التي انشقّت لاحقاً بالصراع على القيادة والسيطرة والفوز بالبنات إلى «السعادة» و«آوت لو» لزعيمها الشبلي. ولبطل العصابة قياسٌ كذلك، فما هو في القانون نهبٌ وأذىً جسيمٌ وشغبٌ وتهديدٌ للسلامة والطمأنينة العامة عنده مفخرة، خاصّة إنْ كسَر بها حاجزاً فبلغ خبرُه الصحيفة أو التلفزيون. ويميِّز العُصبَجي المحترف بين «السرقة» و«النهب» فلا يسرق خلسةً، ولكن ينهب بقوّة وحُمرة عين. والعُصبَجي في موقع متقدّم ضمن هذه الفئة، فهو بطلُها بما أصابَ من فتوّةٍ وقدرةٍ، ويُميِّز نفسَه باللِّبس والهندام على نمطٍ كوسموبوليتي من طراز الهيب هوب الأميركي، بنطلون شوّال وتلاتة أربعة فنايل وسايد كاب وسلاسل، وكذلك الرّقص والحفلة. ودون العُصبَجي المحترف فئاتٌ أوسع وأقلّ حظاً، مَن يعرِّفهم البوليس بعبارة «معتادي الإجرام» وفيهم الحرامي المتواضع، مَن يسرق ملاية أو مراية عربيّة، والنشَّال، ومروِّج البنقو، ومُروّج الآيس، ومن لم يُحسن أيّاً من هذه الوظائف فيبيع المتعة في الخور، فما طبقتهم؟

 

[8]

ما هي إذَن الطبقة الاجتماعيّة التي شهد الدكتور عبده سيمون، الأنثربولوجي الأميركي المسلم، على موقعها «البرَّاني» في اقتصاد «المُجامَلة» الخرطومي، والتي عرَض وسائلَ بقائها في كُونِكا مايو، معاشاً ومعنىً، وأملاً في هدمٍ عظيمٍ تتحرَّر به من هذا الجحيم؟ وهل هي الطبقة الاجتماعيّة ذاتها التي احترز منها الدكتور حسن مكي وحذَّر، وقال إنها صارت رهناً للكنيسة العالمية ومَطيَّةً لصليبيِّين جُدد، ظاهرُ شُغلِهم التعليمُ وأوجُهٌ أخرى للعون الإنساني، وباطنُه الفتنة؟ ثم رشَّح الدِّينَ القويمَ وسيلةً لتحييد هذا الخطر المحيط. وهل هي ذاتها الطبقة الاجتماعية التي اكتَشَف طرَفاً منها الدكتور محمد بخيت في «كرتون كسلا» وفرَزَها من فائزين في جوارها الاجتماعيّ دخلوا السُّوقْ «قدِّر ظروفك»، بينما ظلَّت عناصرها «عُصبجيَّة» و«شمَّاشة» خارج الدوائر التبادليّة لهذا الجوار، سِكَّتُهم السَّلب بقوّة، أو الشَّلِب بحَرْفَنة، ما استطاعوا إليه سبيلا؟

تقترب القارئةُ من هذه الطبقة الاجتماعية، وقد تتساءل إنْ كانت هي تلك التي شغَلت الدكتور عبده مالك سيمون والدكتور حسن مكي والدكتور محمد بخيت، كلٌّ من موقعه. الأوّل بوصفه أنثربولوجياً مُسلماً، جاء به دربُ النُّصرة إلى خرطوم التسعينيات، ليُسعف الحركة الإسلامية السودانية وهي تحاول، كيفما اتّفق، أن تصنع طريقاً جديداً بالمشي في هامشٍ كونيٍّ، والمحاذيرُ الإمبرياليّة تحيط بها، والمخاطر، ولم يعد هنالك اتّحاد سوڤييتي يعاند لمصلحة للجنوب الكونيّ في مقابل المركز الأمريكي المنتصر. والثاني بوصفه كادراً في هذه الحركة، يريدُ أن يَنفُذَ إلى هذه المخاطر بعِلْم محلّيٍّ يُرشِد به السُّلطانَ الجديدَ إلى مواقع الحذر. والثالث بوصفه عالمَ إثنوغرافيا، يُريد أن يَستخرج من فسيفساء الإثنيّات والثقافات والأديان عِلماً بالهامش داخل المدينة في زمانٍ واعدٍ بالسّلام.

تجد القارئةُ، عند هذا الاقتراب، رايةً قديمةً غرَسها المرحوم كارل ماركس في موقعٍ اجتماعيٍّ شبيهٍ ضمن كَدِّه في القرن التاسع عشر؛ راية عليها حصيلةُ ما استفاده من تجربة ثورات 1848 الأوروبيّة مناضلاً من أجل الديمقراطية ومحرّراً لجريدةٍ مقاتلة، «جريدة الراين الجديدة» التي أعلنَت عن نفسها بديباجةٍ «لسان حال الديمقراطية» مهمّتها تثقيف الثورة. وكانت جريدة المرحوم جريدة يوميّة صدرت من كولون الألمانية بأفق أوروبيّ من 1 يونيو 1848 حتى 19 مايو 1849 حين سطَت عليها السُّلطات وطرَدت محرِّرَها المرحوم ماركس الطَّردةَ التي انتهت به لاجئاً دائماً، حتى قضى في كرسيِّهِ وقد انشغل أهلُ بيته عنه بالوَنَسة في الحديقة؛ لاجئاً «بِدُونْ»، بعدما نزعت السُّلطات الألمانية أوراقه الثبوتية. قال الرقيب البوليسيّ في قرار منع صدور جريدة المرحوم: «تعاظَمَ مَيلُ «جريدة الراين الجديدة» في أعدادها الأخيرة إلى استفزاز القرّاء لاحتقار الحكومة القائمة، وتحريضهم على الثّورة العنيفة وإقامة جمهورية اجتماعيّة… وبذلك قُرِّر إلغاء حقّ الضّيافة الذي طالما أساء استغلالَه محرِّرُها الدكتور ماركس بكلِّ وقاحة. ولمّا لم يتقدَّم الأخيرُ بطلبٍ للسّلطات لتمديد إقامته في هذه الأقاليم، فقد صَدَر الأمر بأن يغادرها خلال 24 ساعة. وإنْ لم ينفِّذ هذا الأمر طوعاً فسيجري إبعادُه قسراً عبر الحدود». صار الدكتور ماركس، محرِّر الجريدة، بهذه النفي «كارل ماركس»، والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

التقى المرحوم ماركس هذه الطبقة في أُوَار ثورات 1848، ونفَى عنها في «المانفستو الشيوعي» كلَّ سَمْتٍ ثوريٍّ إلا انتداباً. و «المانفستو الشيوعي» في نشأتِه هو خلاصةُ ما أصاب ماركس، وصَفِيُّه فردريك إنجلز، وزوجتُه جني ماركس، من علم الصراع الاجتماعي، من وحي الثورة والثورة المضادّة في 1848، وكتبَه ثلاثتُهم في ديسمبر 1847/ يناير 1848. بل أبَّدَ ماركس سوءَ الظنّ بهذه الطبقة بقلمه الحادّ، فهي عنده «البروليتاريا الرثّة، الحثالة المتعفّنة المستسلمة لمصيرها، المنحدرة من أكثر طبقات المجتمع القديم وضاعةً، فهي قد تنجرُّ إلى الحركة وراء ثورةٍ بروليتاريّة؛ إلا أنّ ظروف حياتها تجعلها أكثر استعداداً لبيع نفسها خدمةً للمناورات الرجعيّة» (كارل ماركس وفردريك إنجلز، «مانفستو الحزب الشيوعي»، ضمن «أعمال كارل ماركس وفردريك إنجلز»، مجلّد 4، دار نشر كارل ديتز، برلين، 1977، ص 472).

لم يتوسَّع المرحوم كارل ماركس في المانفستو الشيوعي لشرح سوء الظنّ العظيم هذا. لكنه نَجَدَ القارئةَ في «صراع الطبقات في فرنسا 1848-1850»، وهو بعضُ شغله من العام 1850 الذي نضجت فيه «المادّيّة التاريخيّة» إذا صحّ التعبير، بتفسيرٍ من التجربة لحُكمِه الغليظ. كتَبَ عن البروليتاريا الرثّة أنها «كَوَّنت في المدن الكبرى كتلةً متمايزةً للغاية عن البروليتاريا الصناعيّة، ومورداً لتجنيد اللصوص والمجرمين من جميع الأنواع، ممن يعيشون على فتات المجتمع. أناسٌ دون مهنة محدّدة، مشرّدون، أناسٌ دون سكنى أو مأوى، ويتفاتون حسب درجة تحضُّر الأمّة التي ينتمون إليها، لكن لا يتخلّون أبداً عن طابع الصّعلقة الرّثّ». والمرحوم كارل ماركس لا يتجنَّب التاريخ متى وَقَع، لذا شَهِد لبعض شباب البروليتاريا الرثّة من جهةٍ بالبسالة النادرة و«أشدّ الأعمال بطولةً وأكثر التضحيات سُموّاً»؛ ومن جهةٍ أخرى بـ «أحطَّ لصوصيّةٍ وأقذر فساد».

وحساب المرحوم كارل ماركس مع هؤلاء، أنّ الحكومة المؤقّتة في فرنسا، والتي قامت بفضل ثورة فبراير 1848، أمّ الثورات الأوروبية، والتي نشأت بها الجمهورية الفرنسية الثانية، قد جنَّدت البروليتاريا الرثّة في وحداتٍ سريعةِ الحركة باسم «الحرس المتنقّل» لدعم «الحرس الوطني» في قمع البروليتاريا الباريسية التي شاركت البرجوازيّة في الثورة، ثمّ انقلبت البرجوازية عليها وقت استقلَّت بمطالبها. وكتب المرحوم ماركس، شاهداً متدبِّراً على العصر، أنَّ الحكومة الانتقاليّة جنَّدت عناصر البروليتاريا الرثّة في وحدات، تضمّ كلٌّ منها ألفَ شابٍّ مقاتل في عمر الخامسة عشرة إلى العشرين، بأجر فرنك واحد وخمسين سنتيماً في اليوم. ثمّ توسَّع عددُهم حتى بلغ أربعة وعشرين ألفاً، وكسَتْهم بزيّ خاصّ يُميِّزهم عن العمّال ذوي القمصان الزرقاء، وجعلت على رأس كلّ وحدةٍ منهم ضابطاً نظاميّاً من صفّ البرجوازية، وأنها خلَبَت ألباب هؤلاء الجنود اليافعين بنجوى الفداء من أجل القضية؛ قضية «الجمهورية».

وأهمّ نظرات المرحوم ماركس في مسألة «الحرس المتنقِّل» أنَّ البروليتاريا الباريسية واجهت في جنود «الحرس المتنقِّل» جيشاً من داخل صَفِّها و«من رَحِمها» بعبارة رائجة، رجال أشدّاء لكنهم «طُرُش». وهلَّلت البروليتاريا الباريسية أوّل الأمر لهذا الصفّ القتالي، لجند «الحرس المتنقّل»، لسرعتهم في الدعم وهم يعبرون شوارع باريس في خيلاء. وقال ظنَّت فيهم البروليتاريا الباريسيةُ الوفاءَ، واحتفت بهم كأولادها جاءوا مسلَّحين لحراسة متاريس الثورة، واعتبرتهم الحرسَ البروليتاري، في مقابل الحرس الوطني البرجوازي. وقال المرحوم ماركس في عبارةٍ صَمَدَت رنّانةً في عقل كلّ قارئةٍ حصيفةٍ حتى اليوم: «كان خطأً مغتفراً» (كارل ماركس، «صراع الطبقات في فرنسا 1848 1850»، ضمن «أعمال كارل ماركس وفردريك إنجلز»، مجلد 7، دار نشر كارل ديتز، برلين، 1960، ص 26). فلمّا أجاز لهم المرحوم ماركس الغفرانَ مؤرِّخاً، وقد كال لهم السُّبابَ مناضلاً، فموقعُهم كان بعبارته ألعوبةً في يد البرجوازية التي فَتَنَت بين فئات البروليتاريا، فجنَّدَت الرثَّ منها لقمع المُنتِج.

 

[9]

غَفَر المرحوم كارل ماركس، بوصفه مؤرِّخاً للبروليتاريا الباريسية، حُسْنَ ظنِّها بالبروليتاريا الرثَّة، وكان قد كالَ السُّبابَ للبروليتاريا الرثَّة مناضلاً في ثورة 1848، والعِلَّة ربّما أنَّ حسابَ التاريخ لا يقوم على خطأ وصواب، والعِبْرة غير التجربة. وتجد القارئةُ عند صَفيِّ المرحوم ماركس ورفيقِه في نضالات 1848 المرحوم فردريك إنجلز سوءَ ظنٍّ شبيهٍ مَرَدُّه أيضاً إلى التجربة. سطَّر المرحوم إنجلز، بوحيٍ من انكسار الثورة في 1848، كُتيِّبَه «حرب الفلّاحين في ألمانيا»، واستعرض فيه من باب المقارنة التربوية ما وَقَع في البلاد الألمانية عام 1525 من تمرُّدٍ واسعٍ للفلّاحين بعدسةِ وقائع الثورة والثورة المضادّة في 1848-1849. وكان المرحوم إنجلز، وكُنيَتُه «الجنرال» بين الأحباب، على خلافِ دودة الكتب المرحوم ماركس، صاحبَ تجربةٍ عسكريةٍ، وعالِماً بالشّوكة، وله في المسألة نظراتٌ، إذ تطوَّع صبيّاً في المدفعية البروسية في برلين عامي 1841-1842، وقاتَلَ متمرِّداً في ثورة 1848 من أجل إسقاط ملكيّة بروسيا وانتزاع السُّلطان على حرف دستور فرانكفورت، وهو الدستور الذي تَوافَقَ عليه أوَّلُ برلمانٍ منتخَبٍ لكلّ ألمانيا، وانهزَمَ مع المنهزمين في انتفاضة البرفلد عام 1849 بعد معارك ضارية ضدّ الجيش البروسي، كما حارَب في صفِّ جيش بادن الشعبي وانهزم صفُّه كذلك شرَّ هزيمة.

انتهى المرحوم إنجلز، في استعراضه الذي جمَع بين ثورات 1525 وثورات 1848، إلى قياسٍ لموقعِ كلِّ طبقةٍ اجتماعيةٍ في فوران الصراع الاجتماعيّ، فالبروليتاريا صاحبةُ الشأن، وهي عنده التي تعتمدُ بالكلّية وعلى الدوام على العمل المأجور، ما زالت قليلةَ العدد، ما يُجبرها على البحث عن حلفاء وقت احتدام الصراع، وقد وجدَتْ هؤلاء وسط البرجوازية الصغيرة وأدنى فئات البروليتاريا الحضَرية وصغار الفلّاحين والعمّال الزراعيين. وأضعفُ حلقاتِ هذا الحلف، عند المرحوم إنجلز، هي البرجوازية الصغيرة؛ فهي طبقةٌ ثرثارةٌ لا يمكن الاعتماد عليها على الإطلاق، إلا إذا تحقَّق النصرُ فعلاً، يَصُكُّ صوتُ طَرْبَقَتها في الصّوالين والنوادي الآذانَ، لكنْ قد تجدُ بينَها عناصرَ طيّبةً تتّبع طريق العمّال. وأفرَدَ المرحوم إنجلز للبروليتاريا الرثّة سباباً خاصّاً فقال: «حثالة العناصر المتعفِّنة من جميع طبقات المجتمع التي تتراكم في المدن العظمى» و«أسوأ حليفٍ طُرّاً، طاقمٌ ما أشدَّ فسادِه ووقاحته». جاء إنجلز لتعضيد حُجَّته بتفصيلٍ من الثورة الباريسية عام 1848، فقال كتب العُمّال على الجدران «الموتُ للشَّفْشَافة»، وقتلوا العديد منهم بما توفَّر لهم من سلاح، ليس لحماسٍ اعتراهُم نحو الملكيّة الخاصّة لكنْ لأنّهم وجدوا أنَّ من الضروريّ فرز صفِّهم من هذه العناصر الحثالة. ثم أضاف في صيغة القانون: «إنّ كلّ قائدٍ للعُمَّال يجنِّد بروليتاريا المَجَاري هذه كحَرسٍ أو سَندٍ يثبت بفعلته هذه ولوحدها أنّه خائنٌ للحركة» (فردريك إنجلز، «حرب الفلّاحين في ألمانيا»، دار التقدم، موسكو، 1977، ص 14).

على كلّ حال، علَّل المرحومان كارل ماركس وفردريك إنجلز سوءَ ظنِّهما بالبروليتاريا الرثَّة بما وَقَع مِن تجربةٍ في 1848-1849. وكان الخطأ المغتفَر للبروليتاريا الباريسية، أنّها اطمأنّت للبروليتاريا الرثّة في أوار الصّراع، بينما جنّدت الجمهورية البرجوازيّة عناصرَ البروليتاريا الرثَّة في كتائب «الحرس المتنقّل» لقمع ثورة البروليتاريا عليها، فوجدت البروليتاريا نفسها في انتفاضتها في يونيو 1849 في مواجهة حلفٍ غالبٍ جمَعَ «ارستقراطيّة المال، والبرجوازيّة الصناعيّة، والطبقة الوسطى، والبرجوازية الصغيرة، والجيش، وحثالة البروليتاريا المنظَّمة في «الحرس المتنقّل» وكبار المثقَّفين والكهنة، وسكّان الريف. ولم تقف إلى جانب بروليتاريا باريس سوى نفسها». انهزَم صفُّها، وذَبَحت الثورةُ المضادّةُ، بعدما انتصرت، في مقتلةٍ عظيمةٍ 3 آلاف نَفْس من الثوّار، ونفَت 15 ألفاً آخرين بغير محاكمة. وغادرت البروليتاريا، بهذا الانكسار، مسرحَ الأحداث، وانزوت في كواليس التاريخ تحاولُ مرّةً وأخرى أنْ تتقدَّم من جديدٍ، لكنْ كلّ مرّةٍ بعزمٍ أضعف ونتائج أهوَن (كارل ماركس، «الثامن عشر من برومير لويس بونابارت»، ضمن: كارل ماركس وفردريك إنجلز، «الأعمال الكاملة»، م 11، لورنس ووشرت للنشر، لندن، 1979، ص 110).

اتّخذت الرّشوةُ التي تلقّتها البروليتاريا الرثّة، لتنقلب على ثوّار باريس وتسفك دماءهم في مجازر يونيو، أوّلَ أمرها، صورةَ «العمل الخيري»؛ جنَّدَت قوى الثورةِ المضادّة، تحت ستار تكوين جمعية خيرية، مَن استهدفتهم من «بروليتاريا المجاري»، بعبارة المرحوم إنجلز، في مجموعاتٍ سرّية، يقوم على كلِّ واحدٍ منها أمينٌ مختارٌ، وعلى رأس المجموع ضابطٌ عظيمٌ من حلف الرئيس؛ رئيس الجمهورية الثانية لويس نابليون بونابارت (لاحقاً نابليون الثالث)، المنتخَب في 1848 بفضل الثورة، والذي انتزَع السُّلطة لنفسه كاملةً في انقلاب ديسمبر 1849 بعد أن كسَر شوكة البروليتاريا الباريسية في انتفاضة يونيو 1849.

كتب المرحوم ماركس إنّ هذا الجيش الجديد؛ الجيش الذي تمكّن به بونابارت من السُّلطة كاملةً، قد ضَمَّ: «فُسَّاقاً متعفِّنين معاشُهم مريبٌ وأصولُهم ملتبسة، ومغامرين من نبتٍ برجوازيّ انفرَطَ أمرُهم، ومُشرَّدين صعاليك، وجنوداً مُسَرَّحين، وأُمَناء سجون مُسَرَّحين، ومجرمين هاربين حُكِم عليهم بعبوديةٍ أبديةٍ في تجديف السفن، وأوَنْطَجيّة دجّالين، ومشعوذين نصّابين، وشمّاشة، ونشّالين، ومحتالين، وقُمُرتِيَّة، وقوَّادين، ومُلّاك مواخير، وحمّالين، ومثقّفين، وعازفين متجوّلين، وزبّالين، ومُطّرِّقين، وسَمْكَرجيّة جوّالة وشحّاتين؛ بالمختصر: كامل الكتلة المتفسِّخة ملتبسة الهويّة، القصيّ منها والقريب، التي يدْعُوها الفرنسيّون  بالبوهيميّة». كوَّن لويس بونابارت من جميع هؤلاء حزبه، جمعية العاشر من ديسمبر (كارل ماركس، «الثامن عشر من برومير لويس بونابارت»، المصدر السابق، ص 149). وكان حزب بونابارت عند المرحوم ماركس فعلاً جمعيةً خيريّةً في معنى أنَّ أعضاءه، كما سيّدهم بونابارت، ظنّوا في أنفسِهم استحقاقاً أنْ يُثروا على حساب الشعب العامل. وكان اختراقُ زعيمهم، زعيم البروليتاريا الرثّة، لويس بونابارت، أنْ حرَّر لهم هذه الغريزة، غريزة «الشَّفْشَفة»، وحلَّلَها، حيث اكتشف في هذه الطبقة، «سقط الطبقات الأخرى، حُثالتها، وقمامتها» ذات الغريزة التي تحفزه هو شخصياً، ووَجَد صورةَ نفسِه في هذا اللَّمُوم، فوافَقَ شنٌّ طبَقة، وصارت بذلك الطبقة التي يقوم عليها سُلطانُه بغير شرط أو فرض، جمَع منهم عشرة آلاف وسمّاهم «الشّعب». لم يغفر المرحوم ماركس للبروليتاريا الرثّة، لكن أجاز الخطأ للبروليتاريا الباريسيّة وقال «بتتعلَّم من الأيّام»، فما الدّرس؟


[10]

فرَز المرحومان ماركس وإنجلز، في لهيب الثورة والثورة المضادّة في فرنسا، خلال أعوام 1848-1849، صفَّ البروليتاريا من البروليتاريا الرثَّة، فقَرَّظا الأولى وقالا إنها «ثوريّة» وإنْ أخطأَت التصويبَ وانحبَسَت ببطش الثّورة المضادَّة في كواليس التاريخ تتحيَّن فرصةً أخرى للنهوض. وسَفَّهَا الأخيرةَ وقالا إنها كتلة ملتبسة الهويّة، متفسِّخة، من كَرُور الطبقات الأخرى، صارت بالرّشوة وحصائل «الشَّفشَفة» حزباً مقاتلاً لبونابارت في هيئة «الحرس المتنقّل» فضرَبَ بها خصومَه وأوَّلهم قرينتَها البروليتاريا صاحبة الراية الثوريّة. بل رفعت في وجهها البروليتاريا الباريسيةُ شعار «الموت للشَّفشافة» ليَصحَّ بدنُها من هذا الأذى.

لكن، لم يَطرح المرحوم ماركس مسألةَ «البروليتاريا الرثّة» السياسيّة بقوّة، لكنْ كان تشخيصُه أنّ اتجاهَها الرئيسَ أْن تكون «الأداةَ المُرتشية للتآمر الرّجعي»، وأمَلُه أنّ الثورة متى نضجت قد تكتسح البروليتاريا الرثّة هنا وهناك إلى داخل صفوفها. فالبروليتاريا الرثّة عند الشيخ الإزيرق لا تقود الثورةَ، ولا تبادر بها، وإنما تركبها «بوكسي» من مواقع رجعيّة، رشوة و«شَفشَفة». لكن لم ينكفئ المرحوم ماركس يتأمّل كفقيهٍ هندوسيّ في «الرَّحِم» الخاصّة التي خرج منها «الحرس المتنقّل»؛ الخصم العسكري المباشر للبروليتاريا الباريسية، والقوّة ملتبسة الهويّة التي جنّدها ضبّاط الحرس الوطني النظاميّون من حلفاء لويس بونابارت من الحثالة الرثّة التي أثارت غثيانه. استغنى المرحوم ماركس عن هذا التفسير «التناسلي» للتاريخ، ردّة ورشوة وخيانة، وهو تفسيرٌ في متناول اليد، حاشاه الشيخ الإزيرق. 

ماذا اكتشف إذَن؟ دشَّن المرحوم ماركس تحليله العتيد للثورة والثورة المضادّة في فرنسا في أواسط القرن التاسع عشر، وهي المثال المدرسيّ لشغل الديالكتيك في التاريخ، «الماديّة التاريخية» البِضَوِّي رِشِيمها، بتشريحِ القوى الدافعة لموتورات التاريخ؛ الأزيز الخلفيّ الذي يحجبه ربما صياح الأبطال وصراخ الضحايا. فعَرَض ضمن ما عرَض في «صراع الطبقات في فرنسا 1848-1850» («أعمال كارل ماركس وفردريك إنجلز»، مجلد 7، دار نشر كارل ديتز، برلين، 1960، ص 12-107)، إحداثيّات الأزمة الاقتصاديّة التي بلغت ذروتها في أوروبا عام 1847 ومَسَكَت نارْ في فرنسا فسَعَّرت الصّراع بين فئات البرجوازية، الحاكمة منها والخاضعة، بالدرجة الأولى، وبين البرجوازية والبروليتاريا بالدرجة الثانية.

ميَّز المرحوم ماركس واقعتين اقتصاديّتين، قال كان لهما الأثر الأعظم في حشد عناصر الأزمة ثم تفجيرها: الواقعة الأولى الوباء الذي أصاب محصول البطاطس في العاملين 1845 و1846، وكان سبباً مباشراً لتصاعد الأسعار وتدهور غذاء عامّة الناس، والجوع الذي دفع بهم إلى الشوارع يسعون السياسة عام 1847 في فرنسا وفي كلّ القارّة. والواقعة الثانية: الأزمة التجاريّة والصناعيّة العامةّ التي ضربت إنجلترا في تلك الأعوام، وكانت إشارتها الأولى كسادُ أسهم السكك الحديديّة في خريف العام 1845، ثمّ إفلاس تجّار المستعمرات الكبار في خريف العام 1847، وتبعتهم البنوك الصغرى التي أفلست بتعاظم الخسارة، ثمّ الصناعات التي أغلقت أبوابها بانعدام التمويل وكساد التجارة. وقال ماركس كان لهذه الأزمة ظلٌّ طويلٌ في فرنسا، فأخرجَت جمهوراً كبيراً من الصناعيّين وتجّار الإجمالي من سوق التجارة الخارجيّة خاسرين، وأجبرتهم على العودة بأموالهم ومصالحهم إلى الداخل الفرنسي يبحثون عن موطئ قدم ومصدر ربحيّة، فكانوا من أشدّ العناصر ثوريةً في صراعهم ضدّ مُلك لويس فيليب، وأشدّهم حماسةً للجمهورية الثانية في فبراير 1848.

وتقدير المرحوم ماركس أنّ ملكيّة لويس فيليب التي أزاحتها الجمهورية الثانية في فبراير 1848 كانت دولةً لرجال البنوك وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة. وجاء بنادرةٍ تقول إنّ المسيو جاك لافيت؛ المصرفيّ العَلَم، طَنْطَن وهو يصعد عتبات بلديّة باريس يومَ قامت ملكيّة لويس فيليب بالمؤامرة والانقلاب على شارلس العاشر في يوليو 1830: «الحكومة حكومتنا»، وكشف بذلك سرّ الثورة! ووضّح المرحوم ماركس أنّ البرجوازية الفرنسية لم تَطْغَ كطبقة تحت سلطان لويس فيليب، وإنما كان الأمرُ لفئةٍ منها، «شِقّ من المصرفيّين ومكوك البورصة ومكوك السكك الحديديّة ومُلّاك مناجم الفحم والحديد ومُلّاك الغابات، إلى جانب قسط من كبار مُلاّك الأراضي ما تُسمَّى الارستقراطية المالية. تمكَّنَت هذه من العرش، وأمْلَت القوانين في حجرات البرلمان، ومَنَحت وظائف الدولة، من الوزارات حتى مسؤولية التبغ».

أمّا البرجوازية الصناعية التي قالت بالجمهورية، في العاقبة عام 1847، فقد شكّلَت طرفاً من المعارضة الرسمية في واقع الأمر، وكانت أقليّة برلمانية. وبرزت معارضة البرجوازية الصناعية للملكيّة بقوّة كلما صَفَت السُّلطة للأرستقراطية المالية واشتَدّ بأس البرجوازية الصناعية في وجه البروليتاريا التي أضعفها الوأد المتكرّر لهَبَّاتها في 1832 و1834 و1839. أما طبقة البرجوازية الصغيرة، بجميع درجاتها المتعدّدة وطبقة الفلاحين، فكانتا كطبقتين خارج مدار السُّلطة، إمّا رَكَنَتا إلى المعارضة الرسميّة أو وَلَجَ أعلامٌ منهما السياسةَ بصفتهم «كفاءات» موكولين بتسطير أيديولوجيا الفئات الطبقية المتصارعة على الحُكم وترويجها؛ شُغل المتعلّمين، دكاترة ومحامين.

شرَح المرحوم ماركس باستفاضةٍ أنّ شِقّ البرجوازية المالية، ملوك المال، أحكَمَ قبضتَه على الدولة بإغراقها في الدّيون، فكان الدَّين المتعاظم هو الرّسَن الذي قاد به الدولةَ إذا صَحّ التعبير. وفوق ذلك، كان هذا الدَّين المتعاظم موضوعاً للمضاربة ولجَنْي أرباح هائلة، في استقلالٍ ظاهر الأمر عن الإنتاج، كأنما اختُلِق من عدم. يزداد العجز الماليّ للدولة عاماً بعد عام، وفي كلّ موسم للميزانية يُمْلِي ملوكُ المال من حجرات البرلمان قرضاً جديداً للدولة، يحصدون أرباحَه مضاعفةً، وترتدّ التكلفة على الجمهور، بالدرجة الأولى البرجوازية الصناعية والتجارية التي استثمرت بعض رؤوس أموالها في السّنَدات الحكومية، فتستشيط هذه غضباً من «الشّفشَفة» المواربة في هيئة ألاعيب البورصة، وتركل من جهتها العبءَ إلى أسفل. تحاول جهدَها زيادة أرباحها في مضمارَي الإنتاج والتوزيع، بتقليص أجور العمّال وتزوير السلع، من مثل الدقيق المخلوط بنشارة الخشب واللبن المطَمْبَج موية وجير، وزيادة الأسعار. وبالنتيجة، يتقلّص الاستهلاك من الجهة الأخرى، وينقلب ما كان ربحاً خسارةً مجدّدةً، وهكذا دواليك، حتى انحَلَجَت.

مثّلت المضاربات التي يتحكّم فيها ملوك المال، بمعرفتهم أسرار البورصة، وسيطرتهم على قلم البرلمان، شَركاً لصغار الرأسماليين وناشئة البرجوازية الصناعية، وخربت بيوتهم. وكان هذا الضّررُ البليغ علةَ تحوُّلهم الراديكالي نحو الجمهورية في عاقبة الأمر، جذريّةْ وْجَمَالها فريد، فشحذوا القوى للإجهاز على نظام لويس فيليب؛ النظام الذي صار لهم عدوّاً ياكُلْ عَشَاهُم، فتمكّنوا منه آخر الأمر بضُرَاع بروليتاري في فبراير 1848. ضرَب المرحوم ماركس لهذه المأكلة مثلاً؛ زيادة الصّرف الحكومي في أواخر عهد لويس فيليب إلى حوالي 400 مليون فرنك في العام، بالمقارنة مع 750 مليون فرنك هي جملة صادرات فرنسا. وقال كانت هذه المبالغ التي تمرّ بجهاز الدولة موضوعاً للعقود الهوبلي والرّشوة والاختلاس وجميع صور الاستهبال والفهلوة المالية.

كذلك سادت هذه «الشّفشَفة» في أعلى هيئات جهاز الدولة، وانبثّت حتى أدناها بين كلّ موظف إدارة وعميل صاحب مصلحة في شبّاك. لذلك كان تشخيص المرحوم ماركس أنّ ملكيّة لويس فيليب كانت في واقع الأمر شركةَ مساهمةٍ لنهب الدخل القومي الفرنسي، تتوزّع أسهُمها بين الوزراء والبرلمانيّين وحوالي 240 ألف من الناخبين وأتباعهم، يقوم عليها مديراً لويس فيليب، وتخضع لها مصالحُ قوى الصناعة والزراعة والنقل. وجميع صور الإنتاج مهدّدة محاصرة. حكومة للسماسرة، كما قالت عن نفسها، يومَ وضع مسيو جاك لافيت وزمرتُه لويس فيليب على العرش في يوليو 1830. لكنْ، هذه ربما تضاريس «كُونِكا» باريس في منتصف القرن التاسع عشر؛ «ألم يروا كم أهلكنا قبلَهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون.»

We eat what we plant

$
0
0
This piece was published in Atar English 28.
The United Nation’s (UN) Food and Agriculture Organisation (FAO) released this month the report of its Crop and Food Supply Assessment Mission (CFSAM) to the Sudan , a 64 pages report documenting what its team had learned from a review of cereal production in the country in the 2024/2025 agricultural season. The review was conducted in the period 14 December 2024 to 5 January 2025 by eight teams composed of representatives of the FAO, Sudan’s Ministry of Agriculture and Forestry, Ministry of Animal Resources and Fishery, and the state ministries of agriculture which toured the eight states safely under the control of the Sudan Armed Forces (SAF): Al Jazeera, Gedaref, Blue Nile, Kassala, Red Sea, Northern, River Nile, Sennar and the White Nile. Another team worked remotely to collect the available information on Khartoum, Darfur and Kordofan. In addition, the report made use of input from the Government of Sudan (GoS) Meteorological Authority, Central Bureau of Statistics, Agricultural Bank of Sudan, state ministries of agriculture and agricultural schemes management authorities. 
In brief, the report states an estimated cereal (sorghum, millet and wheat) production across the country in the season 2024/2025 of 6.7 million tonnes, 62% above the output of the previous season and 7% below the average of the past 5 years. Sorghum production, said the report, is estimated at 5.4 million tonnes, 77% higher than the output of the previous season and 30% above the average of the previous 5 years. Millet production is estimated at 792 943 tonnes, 16% above the output of the previous season and 45% below the average of the previous five years. The production of wheat, harvested in March 2025, is forecast at 490 320 tonnes, 30% above the previous season and 22% below the average of the past 5 years. According to the Central Bank of Sudan, cereal consumption for 2025 is projected to stand at 7.7 million tonnes, leaving a cereal import requirement of 2.7 million tonnes, essentially wheat, while sorghum is likely to generate a surplus of 979 330 million tonnes. 
These numbers can arguably be politically debated, and they surely were at their point of generation hence the delay in the release of the report, given the GoS interest in debunking the recurring argument of food deficit equals sovereignty deficit equals humanitarian license for imperial takeover. The report however kindly reminded the reader that Sudan is critically an agricultural social formation bound to land not an online one bound to Facebook, since 65% of its peoples are engaged in agriculture. And cereal production, primarily sorghum and millet, is in the custody of its peasantry, the proverbial tarbal, working mostly family units of 5 to 100 feddans. This proportion is likely to increase under the current conditions given the effective abolition by gunfire of the service economy that bubbled for a while in Khartoum. The confusion of these two Sudans, the Sudan of the land-bound peasantry and the Sudan of the online-bound commentariat is a major cause of misreading and harm. 
“Peasant” however or the rather neutral “farmer” is a poor equivalent for tarbal which does not carry the derogatory tone of the peasant as bumpkin, Marx’s “sack of potatoes”. Interestingly, to add to the confusion of the Arab/African dichotomists, the joke glossary of the Sudan preserves the racialised “Arab” attached to Al Jazeera and often in the diminutive as a term of derogation for the country bumpkin. The tarbal is another category, it derives from a verb that translates into “cultivate” crossing into “raise” and in romance the Hamar poet says: يا رايقة التربلوكي لي، شديرة المنقة الشتلوكي لي; the lovely one raised for me, the mango succulent planted for me. The reverence of the tarbal in the Sufi tradition is another order altogether. In fact, the material and ideological resources of the maseed, Sudan’s precolonial schools, are largely dedicated to the raising of this figure, but that is probably beyond the scope of this note. 
The CFSAM report makes little of the tarbal; it attributes the relative recovery of cereal production in the safe zones of the country to adequate and temporally well distributed rainfall and limited damage by pests and disease. Almost everything else about the season went wrong. The authorities were in no position to restore functionality to the irrigation infrastructure of the major schemes, Al Jazeera, Al Rahad and New Halfa, irrigation canals remained blocked and pumps out of order. Credit availability from the Agricultural Bank of Sudan and others was severely constrained, reaching only around 7 million beneficiaries compared to 22 million in 2022. Agricultural inputs, seeds, herbicides and fertilizers, were unsurprisingly in shortage; federal and state ministries were unable to distribute any amount of certified seeds and farmers relied on what they had saved from the previous seasons. Fuel availability was limited. Wage labour was generally marked as available, a direct effect of war and displacement pushing wages down in Kassala, North and Central Darfur. 
Now under these dire conditions, Sudan’s tarbal worked an estimated 11.3 million hectares of land with sorghum, 15% higher plantation area than the previous year and 13% percent higher than the average of the past 5 years, most of the expansion being in the semi-mechanised sector which registered an 18% increase compared to the previous year and a 32% increase above the average of the past 5 years. In other words, the land-bound small peasantry held its ground and expanded slightly, 2% and 15% over the previous year and the average of the past 5 years respectively, and some capital, it might be interpreted, likely moved from the rubble of Khartoum to cereal production. The increase in plantation area was most notable in Kassala state, a gross recipient of displaced people and capital, where the planted area expanded by 189% over the past season and 261% above the past 5 years average. In effect, Kassala compensated for the decline of production in Sennar ransacked by the marauding Rapid Support Forces (RSF). 
The CFSAM report does not address the resourcefulness of the tarbal in overcoming these deficits and threats and maintaining cereal production in a time of war, devastation and displacement. The exact magnitude of the recovery of cereal production can be challenged obviously given the circumstances of data collection and the political stakes involved. What the report however documents but does not spell out is the feat of Sudan’s tarbal, the trendy term being “resilience”. If one objective of the RSF campaign was to liquidate this particular life-form or subdue it to the requirements of a neoliberal siphoning of wealth via the gateways of Dubai, it has failed. The RSF campaign of terror destroyed homes, electricity and water installations, health care facilities, schools, irrigation infrastructure, you name it, but not the ancient knot that ties the tarbal to the land. The tarbalstands tall with a whiff of baraka, says the CFSAM report without saying so; this shrewd figure managed to acquire credit, scrap together agricultural inputs, scavenge for fuel, organise and carry out agricultural processes and succeeded in maintaining cereal production to a considerable degree with the baraka of good rains and few pests, the debate is around the degree. 
Does this feat have a political meaning? Abd Al Khaliq Mahjoub, Sudan’s outstanding revolutionary and communist leader, addressed in August 1970 a fidgety extraordinary conference of the Communist Party’s cadre. Almost half of the Party’s leadership had switched lanes, from Abd Al Khaliq’s leadership to the putschist camp that unconditionally supported Jaafar Nimayri who had assumed power in the 25th May 1969 coup and declared the ‘national democratic revolution’ from above. Nimayri ended the brief and reluctant alliance with the Communist Party by kicking the three Party-loyal officers out his Revolutionary Command Council in November 1970 setting the stage for the communist coup attempt in July 1971. Abd Al Khaliq Mahjoub was tempted but not swayed by the dangling fruits of power. 
He told his fidgety comrades split over the role of the officers and the armed forces in general in the ‘national democratic revolution’: “The democratic revolution is a revolution of agricultural reform, and it cannot reach its logical conclusion without awakening the mass of peasant toilers on a large scale and their engagement in the fields of political, economic and intellectual struggle. And the socialist revolution is a revolution of the majority of the toiling masses, and it can only take place with their will and satisfaction and through their effective participation at the highest levels of revolutionary activity” (Abd Al Khaliq Mahjoub, Report to the Communist Party of Sudan cadre deliberation conference August 1970, in the Communist Party of Sudan, “Strategy of the Sudanese National Democratic Revolution”, Khartoum, nd, p. 157). 
Now, Abd Al Khaliq was writing hastily at a time of acute political crisis in his own ranks, but the point is valid. The peasant toilers are alive and well and constitute the social class with a manifest interest in salvaging Sudan as a sovereign country from the long fangs of regional predators. Politically, it would be a long shot to assume that online politicians in the mould of Hamdok et al. have a claim to make about the democratic interests of the tarbal or that self-styled revolutionary activists are in a position to dictate to the tarbal priorities, fuel for sorghum or sexual emancipation. In any case, the tarbal will have to do sorghum in the morning and “national democratic revolution” in the afternoon, the commentariat could at least offer good wishes. 

نأكل مما نزرع: عن تقرير بعثة الفاو للموسم الزراعي 2024/2025

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة فيمجلة «أتر»، العدد ٧٨ بتاريخ ٢٢ مايو ٢٠٢٥.

أصدرت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة هذا الشهر تقريربعثتها لتقييم المحاصيل والغذاء في السودان؛ تقرير من 64 صفحة يوثّق ما شهدته البعثة من تقصّيها إنتاج الحبوب الغذائية في السودان في الموسم الزراعي 2024/2025. والتقرير حصيلة عمل البعثة الميداني في الفترة من 14 ديسمبر 2024 إلى يناير 2025، إذا قامت ثماني فرق، يتكوّن كلّ منها من مسؤولين من الفاو، ووزارة الزراعة والغابات، ووزارة الثروة الحيوانية والسمكية الاتحاديّتين، ووزارات الزراعة الولائية، بزيارة مواقع الإنتاج الزراعي في الولايات الآمنة تحت سيطرة القوات المسلحة السودانية: الجزيرة والقضارف والنيل الأزرق وكسلا والبحر الأحمر والشمالية ونهر النيل وسنار والنيل الأبيض. كما قام فريق آخر بالعمل من على البعد لجمع المعلومات المتاحة عن إنتاج الحبوب في الخرطوم وولايات كردفان دارفور. كذلك استفادت هذه الفرق، بحسب ديباجة التقرير، ممّا وَرَد إليها من الأرصاد الجوية، والجهاز المركزي للإحصاء، والبنك الزراعي، ووزارات الزراعة الولائية، وإدارات المشاريع الزراعية. 

بالمختصر، قدَّر التقرير أنَّ مجمل إنتاج الحبوب الغذائية (الذُّرَة والدُّخن والقمح) في الموسم الزراعي 2024/2025 يبلغ 6.7 مليون طن، هو إنتاج يفوق إنتاج الموسم الماضي بنسبة 62%، ويقلّ عن متوسط إنتاج الأعوام الخمسة الماضية بنسبة 7%. قدَّر التقرير إنتاج الذُّرَة لهذا الموسم بـ 5.4 مليون طن، ما يفوق إنتاج الموسم الماضي بنسبة 77%، ويفوق متوسط الأعوام الخمسة الماضية بنسبة 30%. أما الدُّخن فقد قدَّر التقرير إنتاجه هذا الموسم بـ 7.92943 طن، ما يفوق إنتاج الموسم الماضي بنسبة 16%، ويقلّ عن متوسط إنتاج الخمسة أعوام الماضية بنسبة 45%. وقَدَّر إنتاج القمح الذي كان حصادُه في مارس بـ 4.90320 طن، أعلى بنسبة 30%من الموسم الماضي وأقل بنسبة 22%عن متوسط الأعوام الخمسة الماضية. نقَل التقرير عن بنك السودان المركزي أنّ استهلاك الحبوب الغذائية المتوقَّع للعام 2025 في حدود 7.7 مليون طن، ما يترك ثغرة 2.7 مليون طن، بالدرجة الأولى القمح. أما الذُّرَة فإنها تفيض عن الاستهلاك المتوقع بـ 9.79330 طن.

هذه الأرقام بطبيعة الحال عُرضة للملاواة السياسية، ولا شكّ خضعت لجرح وتعديل وشدّ وجذب من منشَئها حتى كتابة التقرير وإجازته، ولا غرابة، فمصلحة حكومة السودان الظاهرة أن تكبت الحجّة المكررة بأن الفجوة الغذائية تساوي عجزاً في السيادة، وتمثّل بذلك إجازة «إنسانية» للسيطرة الإمبريالية. يُحمَد للتقرير أنه ذكَّر القارئة بحقيقةٍ تلتقطها التلميذة النجيبة وحتى غير النجيبة في المدرسة، وهي أنّ السودان بالدرجة الأولى تكوينٌ اجتماعيٌّ زراعيٌّ يرتبط أهلُه بالأرض، وليس تكويناً أونلاين مرتبطاً بالفيسبوك، فأغلب أهله، 65%منهم في آخر تقدير، يعملون في الزراعة. وإنتاج الحبوب الغذائية، بالدرجة الأولى الذُّرَة والدُّخن، من عُهدة مزراعي السودان، بالأدّق عُهدة «التَّرْبَال» الذي يزرع بالأسرة والعشيرة وحداتٍ من 5 إلى 100 فدّان، يُداخِلُها حسب التساهيل العملُ المأجور. وربما زادت نسبة الـ 65%هذه، تحت الظروف الراهنة، بعِلَّة الإبادة الناريّة لاقتصاد الخدمات الذي فَرْهَد لبرهةٍ في حضر الخرطوم. والحقيقة، أنّ تخليط هذين السودانَيْن؛ سودان طبقة الفلاحين المرتبطة بالأرض، وسودان طبقة المعلِّقين المرتبطة بالإنترنت، علةٌ لِلَهْوَجة عظيمة وضرر.

لا تكافئ عبارة «فلّاح» أو «مزارع» الماسخة ثقل «التَّرْبَال» وظلّه الطويل، بخاصةٍ وأنّ «الفلاح» في السياق الأوروبي مفردةُ تبكيتٍ تفيد الدَّمَاكة والسّذاجة وضِيق الأفق، واشتُهِر عند المرحوم ماركس هجاءُ رجعية الفلاحين الفرنسيين في منتصف القرن التاسع عشر، فإنهم عنده "أكوام بطاطس". وربّما واجَهَ غيرُ الناطقين بها صعوبةً أخرى في فرز هذه المواقع، خاصةً أنصار الثنائية العربية/ الإفريقية، ناس آراب وآفريكان، إذ إنّ قاموس النكتة السودانية لا يستهدف «التَّرْبَال» بالسخرية كما هو حال «الفلاح» في السياق الغربي، وإنما فرَزَ لهذا الموقع تعريفاً ظاهرُه عِرْقيّ، فموضوع السخرية هو «العربي»، وتصغيرُه «العِريبي»، وجعَل له جغرافيا في الجزيرة، فهو «عرب جزيرة» و«عرب زوط». أما «التَّرْبَال» فقوامٌ آخر، والكلمة من فعل «تَرْبَل» وتفيد التنشئة والتربية كما في قول شاعر الحَمَر يتغزل: يا رايْقَة التَّرْبَلُوكِي لَيْ، المنقة الشَّتَلُوكِي لَيْ. يتصاعد تقريظ «التربال» في التراث الصوفي درجاتٍ أُخَر، والواقع أنّ مواردَ «المَسِيد» الروحية والمادية مجنَّدةٌ لتنشئة هذا «التَّرْبَال» وصناعته، لكنْ هذه مسألة أخرى خارج مدار هذه الكلمة. 

لا يتوقّف تقرير الفاو عند «التَّرْبَال»، ولا يُعيرُه كثيرَ اهتمامٍ، وإنما يردّ استعادة إنتاج الحبوب في المناطق الآمنة من البلاد إلى وفرة الأمطار وحُسن توزيعها الزمانيّ عبر الموسم، وإلى محدودية الآفات والأمراض التي تصيب المحصول. وخلا ذلك عَرْكَس كل شيء في هذا الموسم. لم تستطع السُّلطات إصلاح الأضرار الواسعة التي أصابت البنية التحتية للريّ في المشاريع الزراعية الكبيرة، وضرَبَ التقرير مثلاً الجزيرة والرَّهَد وحلفا الجديدة، حيث ظلّت قنوات الري على انسدادها؛ والطلمبات خارج الخدمة. لم يسعف البنك الزراعي، ولا البنوك الأخرى، المزارعين بتمويل يُعتدّ به، فاقتَصَر في هذا الموسم على 7 ملايين من العملاء، بالمقارنة مع 22 مليون في العام 2022. وقصَّرت المدخلات الزراعية في جميع أوجهها، فلا بذور محسّنة ولا وقود ولا سماد من جهة السلطات. لكنْ توفَّر العمل المأجور بعِلّة الحرب والنزوح، وأضرّت وفرة العمل بسعره فتناقصت الأجور في كسلا وشمال ووسط دارفور. 

ماذا حقَّق «التَّرْبَال» إذن تحت هذه الظروف؟ زرَع حوالي 27 مليون فدان ذرة، مساحة تفوق بنسبة 15%المساحة المزروعة في العام الماضي وبنسبة 13%متوسط المساحة المزروعة في الأعوام الخمسة الماضية. ووقع أغلب هذا التمدَّد في قطاع الزراعة الآلية الذي توسَّع مساحةً بنسبة 18%عن العام الماضي وبنسبة 32%عن متوسط الأعوام الخمسة الماضية. بصياغة أخرى، تمسَّك صغار المزارعين بالأرض في القطاع المطري وتوسّعوا قليلاً، بنسبة 2%عن العام الماضي و15%عن متوسّط الأعوام الخمسة الماضية، وتحوَّل رأسُ مالٍ جديدٍ، بعِلّة تخريب الخرطوم، إلى زراعة الحبوب الغذائية. كان لكسلا النصيب الأكبر من هذا التوسّع، إذ زادت المساحة المزروعة بنسبة 189%عن الموسم الماضي، وبنسبة 261%عن متوسط الأعوام الخمسة الماضية. أي، عوَّضت كسلا خسارة سنّار التي تولّت قوات الدعم السريع تخريب زراعتها بالفساد في الأرض. 

صمَتَ تقرير الفاو «الموضوعي» عن دَبَارة «التَّرْبَال» في التفوّق على هذه العَرْكَسة المركَّبة والمهدِّدات المتعدّدة في المال والنفس والولد، والحفاظ على إنتاج الحبوب الغذائية قَنْقَر، والحرابة نارها حمراء. يمكن بطبيعة الحال الطعن في مقدار تعافي إنتاج الحبوب بهذه الهِمّة، وظروفُ جمع المعلومات والقيود عليها معلومة، وكذلك تبعاتها السياسية، ولا ينطق تقرير الفاو بهِمّة «التَّرْبَال» هذه، وإنْ شَهِد عليها بأرقامه، فما بطولته؟ إنْ كان من أهداف الدعم السريع تصفية هذا النمط الحياتي؛ تصفية الحوض الزراعي الذي يقوم عليه «التَّرْبَال»، أو إخضاعه لمطلوبات «شَفْشَفة» الثروة بإعرابٍ نيوليبرالي عبر بوابات دبي، فقد خابَ مسعاه، آه وين يا! خرَّبت حملةُ الإرهاب التي شنّتها الدعم السريع المساكنَ والبنى التحتية للماء والكهرباء والرعاية الصحية والتعليم والريّ؛ لم تَستثْنِ شيئاً! لكنها لم تستطع فكَّ ما بين «التَّرْبَال» والأرض من ميثاقٍ تليد. انهدَّت البنى التحتية بالقوى النارية، نعمْ، لكنْ وَقَف «التَّرْبَال» ما هَمَّاهُ شِيْ، وساعدَته برَكةٌ في الأمطار، فدَبَّر مال الزراعة ومدخلاتها، وجازَفَ الوقود، واستطاع بحَوْل الله تنظيم العمليات الزراعية وإكمالها، ما هَمَّاهُ شِيْ، حتى حَصَد!  والنقاش بين الخبراء ليس حول تعافي إنتاج المحاصيل، وإنما حول درجة هذا التعافي. 

هل لهذه البطولة ترجمة سياسية؟ خاطَبَ المرحوم عبد الخالق محجوب في أغسطس 1970 اجتماعاً نشبت فيه الحُمَّى بين كادر الحزب، وقد انشَقّ صفُّهم بين يديه حول الموقف من سُلطة مايو؛ هل الانقلابُ مفتاحٌ للثورة الوطنية الديمقراطية من علٍ، أم ابتلاءٌ للثورة وفتنة؟ وعَرَّف المرحوم يومَها اختبارَ الثورية بقوله "فالثورة الديمقراطية هي ثورة الإصلاح الزراعي، ولا يمكن أن تصل إلى نتيجتها المنطقية إلا باستنهاض جماهير الكادحين من المزارعين على نطاق واسع وإدخالهم ميادين الصراع السياسي والاقتصادي والفكري! والثورة الاشتراكية هي ثورة غالبية الجماهير الكادحة تتمّ بوعيهم وبرضاهم وبمشاركتهم الفعّالة في أعلى مستويات النشاط الثوري. والقوات المسلحة في بلادنا ننظر إلى أقسامها من زاوية انتماءاتها الفئوية والطبقية، ويُحدَّد دورها كجزء من الفئات الفئوية والطبقية المتصارعة في هذه الفترة أو تلك من فترات التطور الثوري" (تقرير عبد الخالق محجوب المقدّم للمؤتمر التداولي لكادر الحزب الشيوعي السوداني، ضمن: الحزب الشيوعي السوداني، «استراتيجية الثورة الوطنية الديمقراطية السودانية»، بدون تاريخ، ص 157). 

كان المرحوم عبد الخالق يكتب في ساعةِ ضيقٍ وأزمةٍ شَقَّت صَفَّ حزبه، لكنّ قضيتهَ ظاهرة، و«جماهير الكادحين من المزارعين» اليوم في موقع الصَّدر، وهم الطبقة الاجتماعية ذات المصلحة المباشرة والظاهرة في إنقاذ السودان، كبلادٍ ذات سيادة، من الأنياب الطويلة والدمويّة لمراكز النهب والسلب في الإقليم والجوار، فالأرض معاشُها وقوامُ حياتها. ومن الغرور البعيد أن يظنَّ سياسيٌّ من منازلهم، أو فنادقهم في عواصم الإقليم، في نفسِهِ ورهطِهِ ولايةً على «التَّرْبَال» ومَصالِحه الديمقراطية أخْنِق فَطِّس، أو يَظنّ ثوريٌّ بإعلانٍ ذاتيٍّ في نفسِهِ كفاءةً لتعيين أولويات «التَّرْبَال»، أهي جاز الطلمبات أم الهويّة الجنسيّة. على كلّ حال، الثابت أنَّ على جمل الشِّيل هذا أنْ يزرع «العيش» في الصباح، وينجز «الثورة الوطنية الديمقراطية» في العصر، وَرُّوني العَدُوْ وأقُعْدُوا فرَّاجة!


إيران لأهلها: هيهات منا الذلة

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٨١ بتاريخ ١٩ يونيو ٢٠٢٥. 

"ولدت في سجن إيراني. 

وعاش والداي في سجونهم. 

يرقد أعمامي وأخوالي في قبورهم الجماعية. 

ليس عندكم ما تقولونه لي عن جرائم النظام الإيراني مما لم أختبره في دمي وعظمي. 

لكن، هذا لا يعني أني أريد أن يُقصف أهلي، أن تُقطع أوصالهم، أن يٌقتلوا، أن تُدمر بيوتهم. 

إذا كان تصوركم للتحرر لا يتحقق سوى عبر تدمير الحيوات البريئة، فليست الحرية هي مسعاكم." 

  

اختصرت الكاتبة الإيرانية المرموقة سحر دليجاني بهذه الكلمات البارات لغوا غزيرا عن موقع «المثقفة» من «السلطة» في ساعة غزو إمبريالي، أخذت كتابها بقوة وقالت وطني ولا ملي بطني، فإيران ليست مظالم الجمهورية الإسلامية. ويتوقع من كاتبة في خطر وأدب سحر دليجاني، مؤلفة رواية «أطفال شجرة الجكرندة» (دار آتريا، ٢٠١٣)، أن يصفى لها هذا المعنى بيسر. فقد تيسر لها من قبل في روايتها التي طبعتها المطابع في أكثر من ٧٥ بلد ونقلها المترجمون إلى أكثر من ثلاثين لغة أن تكتب في صيغة أدبية سجلا للقهر والاستبداد وكذلك للنبل والإحسان في إيران ما بعد الثورة وفوق هذا وذلك نشيدا للمطلق في تغريد كل قلب بالحرية. 

ولدت سحر كما قالت في كلمتها القصيرة في سجن ايڤين سيء السمعة في طهران عام ١٩٨٣ والثورة الإيرانية (١٩٧٩) في عامها الرابع، لوالدين من الجيل اليساري ناهضا نظام الشاه كما ناهضه أنصار الإمام الخميني ثم وقعا ضحية لبطش دولة الإمام الخميني التي قامت من عنفوان الثورة. جاء والدة سحر المخاض وهي معتقلة معصوبة العينين في ظهر شاحنة صغيرة لجهاز الأمن الثوري وخاضت التحقيق وعضلات رحمها تتشنج موجة بعد موجة حتى وضعت حملها في الحبس. وقضى عمها، الأخ الأصغر لأبيها، بيد جهاز الدولة الإيراني ضمن حملة دموية لتصفية الخصوم السياسيين في صيف العام ١٩٨٨ وإيران تواجه حملة عسكرية ل«منظمة مجاهدي خلق»، الاشتراكيون الإسلاميون ممن رفضوا مبدأ ولاية الفقيه وتحولوا بحلول العام ١٩٨١ من شركاء في النظام الثوري الجديد إلى خصوم، وذلك من قواعد داخل الأراضي العراقية في عقابيل ثمانية أعوام من الحرب الضروس بين إيران والعراق (سبتمبر ١٩٨٠ أغسطس ١٩٨٨). 

نجحت السلطات الإيرانية في صد هجوم «منظمة مجاهدي خلق»، واتخذت أجهزة السلطة الأمنية والقضائية الهجوم ذريعة لتصفية حسابها الطويل مع «مجاهدي خلق» ومعارضين آخرين في أسرها في يوليو/أغسطس ١٩٨٨. كان نهج السلطات في هذه الحملة الدموية سلسلة من الإعدامات الجماعية للمعتقلين السياسيين في سجني ايڤين في طهران وغوهاردشت في كرج بعد تحقيقات نمطية موضوعها الولاء والبراء. قالت منظمة العفو الدولية وقتها أن لجنة التحقيق سألت عم سحر القتيل وزملاءه: 

-       هل أنت على استعداد لإدانة منظمة «مجاهدي خلق» وقيادتها؟ 

-       هل أنت على استعداد للتوبة عن آرائك وأعمالك السياسية؟ 

-       هل تعلن الولاء للجمهورية الإسلامية؟

-       هل انت على استعداد أن تعبر حقل ألغام نشط لمساعدة جيش الجمهورية الإسلامية؟

-       هل أنت على استعداد للانضمام إلى القوات المسلحة الإيرانية ومحاربة منظمة «منظمة مجاهدي خلق»؟

-       هل أنت على استعداد أن تتجسس على رفاقك السابقين و«تتعاون» مع مسؤولي الأمن؟ 

-       هل أنت على استعداد أن تشارك في فرق الإعدام؟ 

-       هل أنت على استعداد أن تشنق عضوا في «منظمة مجاهدي خلق»؟

-       هل أنت مسلم؟ هل تصلي؟ هل تقرأ القرآن؟ 

ليس من سجل لإجابات السجناء على أسئلة لجنة التحقيق، لكن الأغلب أن إجابات عم سحر لم تعجب «لجنة الموت» التي أوكل إليها الإمام الخميني أمر البت في مصير سجناء «منظمة مجاهدي خلق» وحملها فتوى من جانبه تجيز إعدام كل من ظل على ولائه للمنظمة. سمى الإمام الخميني كل من القاضي حجة الإسلام حسين علي نايري ووكيل النيابة الأعلى في طهران مرتضى إشراقي وممثل لوزارة الإعلام أعضاء في اللجنة المسؤولة في طهران وقال تتخذ قراراتها بالأغلبية البسيطة. جاء في فتوى الإمام الخميني بحسب ما أورد المرحوم آية الله حسين علي منتظري، أحد أقطاب الثورة الإيرانية، رئيس مجلس قيادة الثورة ومجلس خبراء القيادة ثم في العام ١٩٨٥ نائب المرشد الإمام الخميني وخليفته، في مذكراته: 

"بما أن المنافقين [وهو النعت الذي وصم به رجال الدولة الإيرانية عناصر «منظمة مجاهدي خلق»]لا يؤمنون بالإسلام وكل ما يقولونه نابع من الخداع والنفاق، وبما أنهم باعتراف قادتهم قد فارقوا الإسلام، وبما أنهم شنوا الحرب على الله ويقاتلون على الجبهات الغربية والشمالية والجنوبية بالتآمر مع حزب البعث العراقي، وبما أنهم يتجسسون لصالح صدام حسين ضد الأمة المسلمة، وبما أنهم مرتبطون بالاستكبار العالمي [الولايات المتحدة والقوى الغربية]وقد أصابوا الجمهورية الإسلامية بضربات قاسية منذ نشأت، فإن من ظل منهم على موقف النفاق في السجون عبر البلاد يعتبر محارب، وحق قتله."

توسع المسؤولون الإيرانيون لاحقا في تفسير فتوى الخميني لتشمل خلاف عناصر «منظمة مجاهدي خلق» شيوعيين ويساريين وليبراليين ومعارضين شتى للنظام. لم يقبل منتظري هذه الفتوى من الإمام الخميني وحز في نفسه التوسع في قتل المعتقلين فتوجه إليه برسالة وأخرى يحتج فيها على الإعدامات الجماعية. وصارت قضية إعدامات ١٩٨٨ سببا ضمن أسباب أخرى لغربة ثم شقاق مع الإمام الخميني ثم مفاصلة مع النظام انتهت بعزله في مارس ١٩٨٩ والتضييق على تلاميذه الكثيرين حتى مماته في ديسمبر ٢٠٠٩. وكان قبلها أعلن تأييده للحركة الخضراء (٢٠٠٩-٢٠١٠) وتعاطفه مع المحتجين الذين عبوا الشوارع رفضا لإعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا للجمهورية ونصرة للمرشح المضاد مير حسين موسوي في يونيو من ذات العام. 

لم تخض سحر دليجاني في الصراع السياسي داخل أيران، الصراع الذي أدمى أسرتها ولم تشارك في المظاهرات ضد نجاد ولم تشهد نشوة الحركة الخضراء سوى كمراقبة من بعيد. نشأت طفلة هي وأخيها وابن عمها القتيل في كنف جد وحبوبة حتى إطلاق سراح والديها ثم غادرت إيران مراهقة في الثانية عشر من العمر برفقة والديها إلى شمال كارولينا في الولايات المتحدة الأميركية وفيها تعلمت حتى نالت درجة في الأدب المقارن من جامعة كاليفورنيا بركلي عام ٢٠٠٦. ثم انتقلت وزوجها إلى إيطاليا حيث عاشت لعشرة أعوام وعادت منها إلى نيويورك الأميركية حيث تقيم حاليا، فهي ابنة المهجر وخازنة ذكريات. كتبت روايتها في انجليزية أثرتها الهجنة التي ترفدها بها كل مهاجرة إليها من لغات أخرى. وتقديرها أن الرواية سُطرت في ذهنها في الفارسية ونشرت على الورق ترجمتها في الإنجليزية. وقالت كان حافزها مباشر سؤالها لوالدها عن قصة سوار من حصى التمر كان صنعه لها وهو في السجن. صادفت السوار مرة أخرى في زيارة للوالد فهاجت الذكرى واستوت الرواية في ذهنها بالحمل الذي قرب لها ما ألم بأمها التي فاجأها المخاض تحت التحقيق، والشخصية المحورية في الرواية تنويع على هذه الأم المُمْتحنة. 

نالت سحر دليجاني من الحفاوة الإعلامية والأكاديمية والأدبية الكثير، المعنوي منها والمادي، هللت المجلات الأدبية بروايتها وتكرر فوزها بالمنح وترشيحها للجوائز. وتهيأ لها بهذه الحظوة بقوة موقع «الناشطة» التي تنطق في المتربول باسم شعب بعيد، يقطر منها ماء الشباب والصواب. لكن، ثبت قلبها في موقعه، يا مقلب القلوب يا الله، لم تنسخط إلى مخبرة سقيمة، ربما بفضل بر الحبوبة تلك وبركة حصى تمرات السجن. سألتها سائلة: "غادرتي إيران وأنت طفلة. هل يسر لك ذلك موقعا موضوعيا ككاتبة؟"فردت بأدب: "لست أدري بخصوص الموضوعية. لكن الأكيد أني أكتب أحسن عن الأمكنة من على البعد. والأسهل عندي أن أنقل شعور المكان كذكرى. ربما لأني كثيرة الأسفار في حياتي فاطمئن إلى الذكريات أكثر من اطمئناني للمشاهدة اليومية. وأردت أن أبث الحياة في إيران التي أعرفها، إيران التي أذكرها وأحبها. وصارت إيران بالنسبة لي في لحظة معينة جمرة شخصية،"وللقارئة أن تضيف «وهذه حدود المسألة». 

أعلن على الجانب الآخر من الشط رضا بهلوي، نجل شاه إيران ووريث العرش الذي أطاحت به الثورة الإيرانية بزخمها التحرري، ملالي وشيوعيون واشتراكيون إسلاميون، أن الفرصة سانحة للإطاحة بالنظام. ناشد بهلوي من مهجره بالقرب من واشنطن قوات الأمن في البلاد الانشقاق عن الدولة وأعرب عن أمله أن تقضي الضربات العسكرية الصهيونية على إيران الجمهورية الإسلامية. وقال في بيان وكأنما يسخر من نفسه وهو الساكن واشنطن: "قد تسقط، وكما قلت لأبناء وطني: إيران لكم، وعليكم استعادتها، أنا معكم. ابقوا أقوياء وسننتصر،"مضيفا أنه لا ينوي استعادة الملكية وإنما يريد الاستفادة من اسمه لدعم حراك من أجل ديمقراطية علمانية (القدس العربي، ١٤/٦/٢٠٢٥). وكان بهلوي زار في أبريل ٢٠٢٣ حائط البراق، حائط المسجد الأقصى الغربي، الذي يسميه اليهود «حائط المبكى» في مناسبة ذكرى المحرقة النازية ضيفا على وزيرة شئون الاستخبارات الإسرائيلية جيلا جملئيل وصرح وقتها: «أريد أن يعرف شعب إسرائيل أن الجمهورية الإسلامية لا تمثل الشعب الإيراني، يمكن إحياء الرابطة القديمة بين شعبينا لصالح كلا الشعبين."واختار صورة أسطورية لهذه الرابطة الذي ربطت والده بالكيان الصهيوني وتربطه هو باستخباراته فقال: "قبل ٢٥٠٠ عام حرر كورش الكبير الشعب اليهودي من الأسر وساعدهم في إعادة بناء هيكلهم في القدس" (القدس العربي، ١٨/٤/٢٠٢٣).

ألقم الدكتور عبد الكريم سروش، الفيلسوف الإيراني العظيم، أستاذ الفلسفة السابق في جامعة طهران والأستاذ الزائر في جامعة ميريلاند بعد سياحة في الأكاديميا الغربية شملت هارفادر وبرنستون وييل وكولومبيا ولايدن وبرلين وصاحب «التناقض الجدلي» (طهران، ١٩٧٨) و«فلسفة التاريخ» (طهران، ١٩٧٨) و«أرحب من الآيديولوجيا» (طهران، ١٩٩٤) و«بسط التجربة النبوية» (طهران، ١٩٩٩) و«الصراطات المستقيمة» (طهران، ١٩٩٩) ضمن مؤلفات عديدة أخرى، ألقم نجل الشاه وأشباهه حجرا كبيرا، أو صاروخا بالستيا إن طلبت المبالغة، فقال من موقع الحرية ببساطة "لن يحرركم نتنياهو": 

"أكثر ما يؤلم، عندما نرى مجموعةً من المرتزقة، لا يحملون من هويّتهم الإيرانية إلا اسمها، بينما هم إسرائيليّون في الحقيقة، يحتفلون بينما الناس في عزاء. يعربون عن بهجتهم، ظنّاً منهم أنّ هؤلاء المجرمين المغتصبين، قادرون على وهب الحريّة للإيرانيّين، وأنّهم قادرون على إيجاد وطنٍ آمنٍ لنا، وأنّ بإمكانهم أن يكونوا رسل السلام والأمن لنا. هم لا يعلمون أن لا أحد أقرب إليهم من أبناء الوطن. ولا يمكن لأيّ أجنبيٍّ أن يحلّ محلّ ابن جلدتهم. ولا يمكن لمن لا يشاركنا اللغة والدين أن يحتلّ مكان إخواننا في اللغة والدين". وأضاف: "إننا في الواقع، نواجه أزمةً تاريخيّةً كبرى، وأعلم أنّ الكثيرين يعارضون الحكومة، ربّما بسبب الخيبة أو الإحباط من بعض السياسات، لكن هذا لا يعني أن يتمسّكوا براية العدوّ، وأن يفرحوا لظفره وإنجازاته، وينسوا شعبهم، وأن يتوهّموا بأنّ الغرباء أقرب إليهم من شعبهم. على أيّ حال، نحن ندين هذه الجرائم، وهذه الاعتداءات وهذه المجازر، وهذه الإبادات. ونتقدّم بالعزاء لشعب إيران، ونشاركهم الحداد، على ما قدّموه ويقدّمونه من الشهداء، ونفتخر بأنّ في إيران رجالاً يمضون على طريق الشهادة والتضحية، وهم يدافعون بوجودهم وإيمانهم عن أرضهم ووطنهم ودينهم". 

ظل سروش وفيا للبرق التحرري الذي جاءت به الثورة الإيرانية في ١٩٧٩، ذلك البرق الذي ألهم كذلك زائر إيران الثورية ميشيل فوكو فعاد منها وقد أدرك مغزى عبارة المرحوم ماركس «الدين روح عالم لا روح له» واقعة حقة، واقعة شرحها باستفاضة في «المقالات الإيرانية» (غاليمارد، باريس، ١٩٩٤؛ تعريب عومرية سلطاني، تنوير للنشر والإعلام، القاهرة، ٢٠٢٠). "لم تخضع إيران لاحتلال قوى كولونيالية قط، فقد كانت منطقة نفوذ تقاسمها الانجليز والروس إبان القرن التاسع عشر، تبعا للسائد آنذاك قبل العصر الكولونيالي. ثم حل عصر النفط، ووراءه الحربان العالميتان، والصرع في الشرق الأوسط والمواجهات الكبرى في آسيا. وفي قفزة واحدة انتقلت إيران إلى وضع ما بعد كولونيالي؛ لتدور في فلك الولايات المتحدة، وتبدأ تبعية طويلة الأمد دونما وجود كولونيالي مباشر؛ أي أن الهياكل الاجتماعية للبلاد لم يجر تدميرها جذريا، بل لم تتعطل كلية بفعل تدفق عائدات النفط. لقد أثرى ذوو الامتيازات من هذه العائدات بالتأكيد، وانتشرت المضاربة، وسمحت بإعادة تجهيز الجيش بالمعدات، لكنها لم تخلق أي قوى جديدة في المجتمع. ربما أضعفت البروجوازيات في البازارات، وقوضت المجتمعات الريفية بسبب الإصلاح الزراعي، لكنهما صمدتا رغم تداعيات التبعية لأمريكا، والتغييرات التي أحدثتها" (ص ٨٠). 

وثورة إيران عند فوكو «نهوض» تحرري بالدين ضد العالم الذي لا روح فيه: "من المعالم التي تميز هذا الحدث الثوري هو أنه أفرز للمشهد إرادة جماعية بالكلية، وقلة من الشعوب قد أتيحت لها مثل هذه الفرصة في التاريخ. إن الإرادة الجماعية هي الأسطورة السياسية التي يستخدمها القانونيون والفلاسفة في تحليل المؤسسات أو تبريرها. إنها أداة نظرية؛ إذ أن أحدا لم يشهد «الإرادة الجماعية» يوما، وقد اعتقدت شخصيا أنها كالإله، أو كالروح؛ تستحيل رؤيتها. ولست أدري إن كنت ستتفق معي أم لا، لكننا رأينا بأم أعيننا «الإرادة الجماعية» للشعب في طهران، بل وفي شتى أنحاء إيران. وهذا لعمري مما يستحق الإشادة؛ فهو أمر لا يحدث كل يوم. علاوة على ذلك، وهنا يمكننا الحديث عن الدلالة السياسية التي يمثلها آية الله الخميني، منحت هذه الإرادة الجماعية موضوعا محددا وهدفا واحدا لا غير؛ هو رحيل الشاه. إن هذه الإرادة الجماعية التي لا تزال عامة في نظرياتنا؛ قد حددت لنفسها هدفا واضحا ومحددا في إيران، ولذلك قد اقتحمت التاريخ مجسدة. وربما يعثر الباحث بطبيعة الحال على ظواهر من هذا النوع نفسه في حروب الاستقلال والجهاد المناهض للوجود الكولونيالي. أما في إيران فقد كانت المشاعر القومية شديدة القوة؛ إذ أن رفض الخضوع للأجانب، والاشمئزاز من نهب الموارد الوطنية، ورفض السياسة الخارجية التابعة والتدخل الأميركي السافر والمشهود في كل المجالات؛ كانت كلها عوامل حاسمة في اعتبار الشاه عميلا للغرب. لكن الشعور القومي في رأيي كان مجرد مكون من مكونات رفض أكبر وأكثر راديكالية، وهو الرفض الذي عبر عنه شعب بأكمله، لا للأجنبي فحسب؛ بل لكل ما شكل تاريخه السياسي لسنوات وقرون خلت" (ص ٨٩-٩٠). 

لا غرو إذن أن سروش الذي يعارض بطش حكام الجمهورية الإسلامية يعارض بأكثر من ذلك تصفية الثورة الإيرانية والقهقري الذي يقترحه وريث الشاه حرية لصاحبها نتنياهو. ولسروش كما لسحر دليجاني موارد أخرى ينهلان منها وأن طالت بهما الغربة، الموارد التي حفزت كل راديكالية لمقاومة الاستعمار والإمبريالية أيا كان سمتها. وربما وجدا بلاغتها الشيعية في تراث الإمام الحسين يوم عاشوراء (٦١ هجرية) في مواجهة جيش الأمويين وكان طلب أميرهم عبد الله بن زياد للإمام الحسين الاستسلام غير المشروط فخطب في أهل الكوفة قائلا وقد تكاثر عليه المخبرون وانشق صفه وقل أنصاره: 

"تبّاً لكم أيتها الجماعة وترحاً، أحِينَ استصرختمونا والِهين، فأصرَخْناكم موجِفين، سَلَلتم علينا سيفاً لنا في أيمانكم، وحشَشَتم علينا ناراً اقتَدْناها على عدوّنا وعدوّكم، فأصبحتم إلْباً لأعدائكم على أوليائكم بغير عدلٍ أفْشَوْهُ فيكم ولا أملٍ أصبح لكم فيهم، فهلّا -لكُم الويلاتُ- تركتمونا والسّيفُ مَشِيمٌ والجأشُ طامنٌ والرأيُ لما يُستصْحَف، ولكنْ أسرعتم إليها كطَيرة الدَّبَا، وتداعيتم إليها كتهافُت الفراش، فسُحقاً لكم يا عبيد الأُمّة وشُذّاذ الأحزاب ونبَذة الكِتَاب ومُحرِّفي الكَلِم وعُصبة الآثام ونَفَثَة الشّيطان ومُطفئِي السُّنن، أهؤلاء تعضِّدون وعنّا تتخاذلون، أجل -والله- غدرٌ فيكم قديمٌ، وَشَجَت عليه أصولُكم وتآزَرَت عليه فروعُكم، فكنتم أخبثَ ثمر، شَجَىً للناظر، وأُكْلةً للناصب، ألَا وإنّ الدّعيَّ ابن الدّعيّ قد رَكَزَ بين اثنتين، السِّلّة والذلة، وهيهات منّا الذلّة، يأبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون، وحجور طابَت وطهُرَت، وأنوف حَميّة ونفوس أبيّة، من أن نؤثِر طاعةَ اللئام على مصارع الكرام، ألا وإني زاحفٌ بهذه الأسرةِ، مع قلّةِ العدد، وخذلةِ الناصر" (الحاج الشيخ عباس القمي، «نفس المهموم في مصيبة سيدنا الحسين المظلوم»، دار المحجة البيضاء/دار الرسول الأكرم، بدون تاريخ، بيروت، ٢٢٢-٢٢٣). 

حول استقالة العضو السابق ياسر عرمان

$
0
0

هجر ياسر عرمان الشاب (مواليد ١٩٦٢) في العام ١٩٨٦ الحزب الشيوعي السوداني يروم مجدا في ظل حركة قرنق، الحركة الشعبية لتحرير السودان، وقد تحقق له بعض ما طلب حتى بلغ نجومية الترشح لموقع الرئاسة على تذكرة الحركة الشعبية في ٢٠١٠ ثم نط نطته الشهيرة. وكركس منذها بالانقسام المتتالي من صف الحلو ثم من صف عقار، فعقيدته في جون قرنق الفرد، حتى انصرف إلى حزب يخصه «الحركة الشعبية لتحرير السودان -  التيار الثوري الديمقراطي»، هو رجع صدى لما عنّ له في ١٩٨٦. نشرت «الشيوعي» في العام ١٩٨٨ لعضوية الحزب الشيوعي دحضا منظما لمقولات ياسر عرمان التي بذلها في استقالته والكاتب من حجته وحرفه ونحوه وصرفه المرحوم «عبد الرحمن»، حياه الغمام. وليس من ود مقنعة سواه والمرحوم التجاني الطيب والدكتور عبد الله علي إبراهيم من صفنا يكتب «حركة قرنق». تتجدد المصاعب مع «أفكار» العضو السابق على أكثر من وجه. وقد أحسن المرحوم دحض دعواها الكذوب والعام ١٩٨٨، قبل أن تقوم هذه الأفكار بعاتي في صور مستجدة حتى منطق دولة ١٩٥٦ الذي يلهج به جماعة الدعم السريع ومن والاهم على أمل أن تقوم الدانات التي تفتك بالبشر والحجر بمهمة «التحول الديمقراطي» على سنة «التيار الديمقراطي» الذي دعى ياسر عرمان الحزب الشيوعي للذوبان فيه آندروس. 


من أرشيف «الشيوعي»، مجلة الحزب الشيوعي السوداني الداخلية

«الشيوعي»، ع ١٥٥، سبتمبر ١٩٨٨، ص ١٤ - ٢٦

حول استقالة العضو السابق: ياسر عرمان 

في نوفمبر ١٩٨٦ تقدم العضو السابق ياسر عرمان باستقالة مكتوبة من الحزب الشيوعي. 

وأوضح ياسر في استقالته انه اختلف مع خط الحزب السياسي وتكتيكاته منذ الانتفاضة، كما اختلف مع معالجة الحزب لقضايا الكادر والبناء. وأضاف أن الاختلاف حول هاتين المسألتين ما كان ليؤدي به إلى الاستقالة، لكن الذي رجح بها هو موقف الحزب من التيار الديمقراطي داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان وعدم تقديم المساعدة له. 

وقد ناقشت سكرتارية اللجنة المركزية استقالة ياسر عرمان والأفكار التي حوتها رسالته وقررت الرد عليه بمقالة في مجلة «الشيوعي». 

رغم أن وقتا طويلا قد انقضى، إلا أن نشر هذا الرد ضروري لأن الأفكار التي عبر عنها ياسر عرمان وظلالها موجودة بصورة أو أخرى، بشكل كامل أو جزئي، لدى العديد من الأعضاء وخاصة حديثي العضوية. 

وياسر يغلف استقالته بحديث كثير عن حبه للحزب الشيوعي وتقديره لمؤسسيه ولتضحيات قيادته الحالية. ولكن حبه وتقديره يظلان ناقصين وفارغين من أي قيمة حقيقية لأنه لم يسعى كما ينبغي لفهم نهج الحزب وتجربته العملية في القضايا التي كانت محور اختلافه الذي وصل حد التخلي عن الشيوعية. 

لقد كان السبب الرئيسي لاستقالة ياسر على حد قوله -  إن الحزب لم يقدم المساعدة المطلوبة للتيار الديمقراطي في الحركة الشعبية لتحرير السودان. وقد كان هذا التصرف تعبيرا حقيقيا عن الطبيعة البرجوازية الصغيرة لفكره فهو يستقيل من حزب الطبقة العاملة لينضم إلى تيار ديمقراطي في حركة تتميز باعترافه بعدم التجانس. 

وبعبارة أخرى فإنه يهرب من مشاكل الصراع داخل الحزب الشيوعي متقمصا دور البطل الفرد ليمنح التيار الديمقراطي المذكور البرجوازي الصغير بالضرورة القدرة على النجاح في السيطرة على الحركة الشعبية. 

وبهذا المنحى الفردي البرجوازي الصغير عالج ياسر عرمان قضايا خلافه الثلاث مع الحزب الشيوعي، سياسة الكادر وتكتيكات الحزب بعد الانتفاضة والموقف من التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية لتحرير السودان. 

(١) ونبدأ من قضية الكادر، حيث يوجه ياسر اتهامين أولهما أن كثيرا من القياديين يعالجون قضايا الكادر وبما في ذلك من الاختيار للمكاتب والتفرغ بالاستلطاف والمزاج الشخصي والسعي لتكوين بطانات. 

وثانيهما أن كثيرين من القياديين لم يعد بإمكانهم أو يؤدي عمل اليوم بقدرات الأمس. 

وقضايا الكادر ليست جديدة في حزبنا. وقد برزت بشكل حاد منذ أيام ديكتاتورية عبود. وللحزب تجارب غنية في هذا الصدد عممها وصاغها في وثيقة المؤتمر الرابع «الماركسية وقضايا الثورة السودانية» وفي دورات مختلفة للجنة المركزية وفي مقالات «الشيوعي». 

وللحزب منهج مقرر في معالجة قضايا الكادر، بما في ذلك تدريبه وتهيئته ووضعه في المكان المناسب وتصعيده للمواقع القيادية واختياره للتفرغ. وهو منهج معلوم ومنشور. 

وقد تقع أخطاء هنا وهناك وعلى مختلف محطات عملية بناء الكادر ولكن باب نقد الأخطاء غير مغلق في حزبنا. ومن واجب كل عضو اكتشف خطأ ما أن ينبه القيادات المعنية إليه بغير إبطاء. كما أن تقييم أداء الكادر نفسه يمكن أن يكون محل اختلاف، غير أن هذا الاختلاف يجب أن يكون معلوما حتى يتسنى الفصل فيه لصالح تطور وتقدم العمل الحزبي والتطبيق الصحيح لمبدأ وضع الكادر في مكانه المناسب. 

وسيظل ما كتبه ياسر في استقالته حول هذا الموضوع مجرد تعبير عن التذمر غير المجدي ما لم يشر إلى وقائع وحالات محددة. 

(٢) نأتي بعد هذا إلى الموقف من الحركة الشعبية لتحرير السودان. ويتهم العضو السابق ياسر الحزب بأنه حدث ارتباك في خطه إزاء الحركة. وفي تقديره "أن حزبنا مسؤول مسؤولية تامة عن خلق أوسع وحدة مع كل القوى التي تناضل من أجل المطالب الديمقراطية وأعني تحديدا الحركة الشعبية."ويضيف "من واجب الحزب مساعدة التيار الديمقراطي البادي التأثير على برنامج الحركة وموقفها ومطالبها التي تطرحها وعلاقتها بالبلدان الاشتراكية"و"يجب مساعدتها بوضوح من خلال خطنا السياسي والوقوف مع مطالبها وهي مطالب الانتفاضة"ثم يطالب بكشف مأزق قوى اليمين في التعامل مع الحركة دون الانسياق وراء زعيقه، ويذكر بأننا عندما دعونا إلى عدم المبادرة بالحوار مع الحركة "مشينا مع خط اليمين"كان أول من ذهب للحوار معها الجبهة الإسلامية ثم يقول إن هدف اليمين هو استخدامنا لتحطيم الحركة الشعبية ثم يأتي الدور علينا. ولذلك يطالب بأن نساعد الحركة عبر كافة الأشكال المرنة والمتاحة. 

ويقول ياسر أن الحركة الشعبية استطاعت أن تغير موازين القوى لصالح قوى التقدم. وإن تلك هي الحقيقة الأولى في الخريطة السياسية السودانية:

.  طرحت بحدة وجدية قضية تكوين الأمة السودانية والحكم وتوزيع الثروة والثقافة الديمقراطية ودور الدين في الحياة السياسية والتحرر الوطني "وهذه العقبات التي تغض مضجع اليمين ومصدر جرحه وآلامه."

.  انهاضها قوى اجتماعية في المناطق الأكثر تخلفا ومناطق القوميات المضطهدة. لها مقدرة عظيمة ومؤثرة في حسم الصراع السياسي والطبقي لمصلحة قوى التقدم. 

.  وأخرجت عشرات الآلاف من الشباب من الصراعات القبلية والإقليمية الضيقة إلى رحاب شعارات إنسانية وديمقراطية وتحملت المسؤولية في البحث عن طريق للتطور الاجتماعي ووحدة الوطن. 

ويضيف ياسر انه بالضغوط والعداء من قوى اليمين والامبريالية العالمية والمساعدات من القوى التقدمية "ستتطور مواقف الحركة ويتعزز النهج الديمقراطي الثوري بداخلها وتتطور رؤيتها الفلسفية والسياسية والطبقية إلى برنامج ومواقع القوى الوطنية الديمقراطية. ويخرج من ذلك إلى أنه "كان من المفترض أن نساهم ونساعد في تطوير تجربتها السياسية والتنظيمية والعسكرية من مواقع المشاركة والمعاناة وبالأشكال الممكنة وبقدر ما تسمح به الظروف السياسية والإمكانات المتاحة."

ويختتم ياسر تقييمه بقوله: "هذه التجربة حتى لو حكم بفشلها سوف تبدأ منها الأجيال القادمة من المناطق المتخلفة بحسبانها التجربة الأكثر تطورا وإلهاما وقدرة في تغيير موازين القوى وزحزحة مواقع اليمين."

وقد أوردنا هذه المقتطفات المطولة من رسالة ياسر حتى يلم القارئ بالمقدمات التي ينطلق منها والنتائج التي يتوصل إليها وذلك حتى يشارك بصورة مستقلة في الحكم عليها. 

إن مواقف حزبنا من الحركة الشعبية ونشاطها وتكتيكاتها منشورة ومعلومة ومن الواضح أن ياسر لم يبذل أي جهد مناسب للوصول إلى الحقيقة. 

ولقد أتيح للحزب قبل نحو عام من الانتفاضة أن يوضح رأيه حول طبيعة الحركة وبرنامجها وتكتيكاتها في «الميدان» السرية منتصف عام ١٩٨٤. ويمكن تلخيص هذا الرأي في نقطتين رئيسيتين: أولاهما أن الحركة الشعبية هي أول حركة سياسية جنوبية لا تطرح الانفصال محورا لبرنامجها ونشاطها وهذا إيجابي. وثانيهما أن الحركة تطرح النضال المسلح شكلا وحيدا للمعارضة الشعبية، وهو أمر يرفضه الحزب الشيوعي الذي لا يقيد نفسه بشكل وحيد وأنه يهتم باستنهاض الجماهير إلى النضال لإسقاط نميري بتكتيك الإضراب السياسي والانتفاضة الشعبية. 

ولقد أكدت الانتفاضة فيما بعد صحة تكتيكات الشيوعيين ولكن الحركة الشعبية أخطأت التقدير وأصرت على المضي في العمل المسلح وتجاهلت النداءات التي وجهها إليها الحزب الشيوعي بالانخراط في الحركة السياسية وتشكيل تنظيم سياسي في الخرطوم وطرح آرائها وحلولها ضمن القوى الأخرى والعمل على توسيع مساحة الديمقراطية وترسيخها. ولا حاجة للقول أن المسار الذي سارت عليه الحركة الشعبية كانت له آثار سلبية بالغة الضرر على مسار الانتفاضة وأدى ضمن ما أدى إلى فك الحصار عن الجبهة الإسلامية وغيرها من فلول النظام المايوي داخل القوات المسلحة وخارجها كما أدى إلى إضعاف قوى الانتفاضة. 

وكان استمرار القتال في الجنوب وتفاقمه عبئا على الحركة الشعبية الديمقراطية سياسيا وعبئا على جموع الشعب السوداني من حيث إهدار الدماء والموارد وعبئا بصفة خاصة على جماهير الجنوبيين. وازداد التوتر السياسي والاجتماعي في البلاد بسبب عدم استجابة الحركة الشعبية للجهود الرامية إلى إيقاف القتال وتمهيد الطريق لحل سلمي ديمقراطي للنزاع. وبسبب جملة من الخطوات العسكرية مثل إسقاط طائرة الركاب في ملكال وضرب قطار أريات والجمات المتكررة على السكان المدنيين في مناطق التماس واحتلال الكرمك وقيسان وكبويتا. 

وعبر كل هذه الفترة الممتدة من الانتفاضة لم تكتف الحركة الشعبية بإجهاض مختلف المحاولات لإعلاء رايات الحل السلمي، ولكنها لم تتقدم بأية مبادرة من جانبها تساعد بها على عزل قوى اليمين والحل العسكري وعلى استقطاب القوى الديمقراطية والراغبة في الحل السلمي، بينما كان متاحا أمامها أن تتقدم بمثل هذه المبادرات على الأقل لتخفيف ويلات القتال على المواطنين في الجنوب. 

هذا بالطبع لن يحجب عنا حقيقة جذور مشكلة الجنوب، في إطار قضية البلاد ككل، كما لن يحجب الطبيعة الاجتماعية والقومية للمشكلة ودور البرجوازية الإسلامية والعربية في مفاقمتها ووجود قوى داخلية وخارجية لها مصالح مكينة في منع الحل السلمي الديمقراطي وفي تأجيج القتال. ولكن كانت هناك فرص عديدة لبناء تحالف واسع بين الحركة الشعبية والقوى الديمقراطية في الشمال وكانت هناك إمكانات متاحة لشق مسار جديد لتطور الحركة السياسية وتوازن القوى لصالح الديمقراطية فيها. وهذه الإمكانات والفرص ساهمت الحركة الشعبية لتحرير السودان في تفويتها وإضاعتها. 

لذلك لا بد من القول أن ما جاء في ورقة ياسر عن تكتيكات الحزب الشيوعي وموقفه من حركة قرنق غير صحيح. والواقع أنه لا ينطلق من نهج طبقي ورؤية علمية وإنما يريد أن تجري الأمور حسب تصوره ويعالج القضايا والمسائل من منطلق برجوازي صغير. إن الحزب الشيوعي لم يراجع ولم يهادن، ولكن ياسر عجز عن فهم الواقع. 

ولا حاجة للدخول في تفاصيل تقييم ياسر الملئ بالشطحات للحركة الشعبية ويكفي أن نشير إلى زعمه بأن الحركة استطاعت أن تغير موازين القوى لصالح قوى التقدم، وأن القوى الاجتماعية في مناطق التخلف والقوميات المضطهدة لها مقدرات عظيمة ومؤثرة في حسم الصراع السياسي والطبقي لمصلحة قوى التقدم وأن تجربة الحركة هي الأكثر تطورا وإلهاما وقدرة على تغيير موازين القوى وزحزحة قوى اليمين. 

وهذه ادعاءات لا يقدم ياسر أي دليل على صحتها. فهو لا يشير إلى مثلا إلى أي علامة على تغيير موازين القوى لصالح التقدم، ولا يوضح كيف تستطيع القوى الآتية من مناطق التخلف أن تحسم الصراع السياسي والطبقي لمصلحة قوى التقدم. ويوغل ياسر في المبالغة عل نحو لا يغتفر حين يقول أن تجربة الحركة الشعبية عي الأكثر تطورا وإلهاما وقدرة على في تغيير موازين القوى..الخ. 

أن أي تقدير متزن يستطيع أن يتوصل إلى حقيقة أن القوى التي اجتذبتها الحركة الشعبية لم تخرج كلها استجابة لنداءات التقدم، ولا حتى للتيار الديمقراطي في الحركة. ليس فقط لأن الحركة تضم اتجاهات عديدة متنافرة ومتباينة، وأنها ترفع شعارات عنصرية، وإنما أيضا لأن المقاتلين الذين انضموا إليها دفعتهم أسباب عديدة يشكل البحث عن مستقبل ديمقراطي واحدا فقط من بينها. ولا بد أن نذكر هنا أن حركة التمرد الأولى اجتذبت أيضا عشرات الآلاف من الجنوبيين وأخرجتهم من الصراعات القبلية والإقليمية إلى رحاب صراع أوسع. كما لا بد أن نذكر أن الجبهة الوطنية استطاعت أن تخرج آلاف المواطنين من مناطق التخلف ودربتهم على استخدام السلاح الحديث ونظمت منهم قوة مقاتلة استطاعت أن تحمل السلاح إلى داخل السودان وأن تكتم السر شهورا وسنوات حتى ساعة الصفر. ومع ذلك، وفي الحالتين لم ينهض ذلك مقياسا إلا في حدود المعارك التي جرت. 

إن التجربة الأكثر تطورا وإلهاما هي تجربة الحزب الشيوعي الذي استطاع أن يجتذب عشرات ومئات الآلاف من براثن الجهل والتخلف والطائفية إلى رحابة التنظيم الحزبي والنقابي والاجتماعي والنضال السياسي من أجل الاستقلال والديمقراطية والاشتراكية والقوى التي تحسم الصراع السياسي والاجتماعي لصالح التقدم لا تفعل ذلك لمجرد أن السلاح في يدها، وإنما تفعله لأنه ينسجم مع مصالحها الطبقية والاجتماعية.ولذك فإن القوى الحاسمة على الطبقة العاملة والقوى الحديثة. والذي يغفل هذه الحقيقة لا يستغرب منه بالطبع أن يهجر الحزب الشيوعي. 

والواقع أن ياسر ينفي بالفعل دور الطبقة العاملة وحزبها. وتحت ستار الادعاء بأن الحزب الشيوعي لم يساعد التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية، فإن في الحقيقة، وكما تبين المقتطفات التي أوردناها من رسالته، يسعى لنقل الدور القيادي إلى الحركة وإلى جعل الحزب الشيوعي مجرد مساعد، مجرد «رديف» وقوة احتياطية تابعة للحركة. إنه يريد أن يجعل من الحزب الشيوعي الجناح السياسي للحركة في «المناطق غير المحررة» أي أنه يسعى لتذويب الحزب الشيوعي في الحركة. 

والمدهش أنه يستخدم نفس حجج التصفويين الذي سعوا إلى تذويب الحزب الشيوعي في سلطة انقلاب ٢٥ مايو. فهو يبدأ من نقطة أننا ملزمون بخلق أوسع وحدة مع كل القوى التي تناضل من أحل المطالب الديمقراطية. ثم ينتقل إلى وجوب مساعدة التيار الديمقراطي "البادي التأثير على برنامج الحركة وموقفها ومطالبها التي تطرحها وعلاقتها بالبلدان الاشتراكية."ثم يصل في النهاية إلى القول بأن "من واجب الحزب مساعدتها بوضوح من خلال خطنا السياسي والوقوق مع مطالبها وهي مطالب الانتفاضة."

ويمضي التطابق بين موقف ياسر والتصفويين حين يتحدث عن تحول الحركة الشعبية إلى مواقع القوى الوطنية الديمقراطية وعن أن ذلك يفرض علينا أن نساهم ونساعد.. من مواقع المشاركة والمعاناة وبالأشكال الممكنة وبقدر ما تسمح به الظروف السياسية والإمكانات المتاحة. 

هذا هو الجوهري في استقالة ياسر عرمان: أن يصفي الحزب الشيوعي نفسه ويذوب في الحركة الشعبية لتحرير السودان. 

ولن يقلل من هذه الحقيقة قول ياسر في مكان آخر في رسالته أن "تمتين ودفع العلاقة بين التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية لتحرير السودان وحزب الطبقة العاملة.. لا يعني تبني أدوات وأشكال النضال لدى الحركة."وإنما هو يعتبر ذلك "التحالف الوطني والتاريخي المرتقب للخروج من الأزمة وفتح طريق التطور الديمقراطي."

إن التمايز الطبقي مسألة جوهرية في تكتيكات الحزب الشيوعي وتحالفاته وهي مسألة لا يمكن التنازل عنها. 

(٣) وننتقل الآن إلى المسألة الثالثة التي يثيرها ياسر في رسالة استقالته وهي تتعلق بتكتيكات الحزب الشيوعي بعد الانتفاضة. 

يقول ياسر: "منذ الانتفاضة بدأت ألاحظ أن خللا ما قد أصاب خط الحزب السياسي وتحديدا في تقييمه لمجمل الوضع السياسي وقدرات الحركة الجماهيرية ونفوذ وقدرات اليمين السوداني والموقف من التيار الديمقراطي في الحركة الشعبية وطرح البرنامج العملي لدفع الحركة الجماهيرية للأمام ولإنجاز أهداف الانتفاضة بعيدا عن المناورات واللقاءات والاجتماعات والاعتماد على العمل الفوقي مع قوى اليمين الأمر الذي أصاب الحركة الجماهيرية الديمقراطية بالإعياء وقوى موقف اليمين." 

ويتهم ياسر الحزب بأنه تراجع. ويقول أن قيادة الحزب من خطباء ومتحدثين وعلى صفحات «الميدان» هولوا من مناورات اليمين السوداني وكأنها تحول في وجهته الطبقية والاجتماعية وبرنامجه السياسي والطبقي وخصوصا حزب الأمة. وأشار إلى أن ذلك تم عبر عشرات التفاصيل وأحاديث التهوين والتقليل واستخدام المهارة السياسية والخبرة وطلاقة اللسان للقفز فوق كثير من المسائل المبدئية وأضاف أن ذلك ممكن رؤيته عبر الملاحظة الدقيقة للنشاط والسلوك العملي لما طرحه الحزب بعد الانتفاضة والموقف من القضايا المطروحة على الساحة ومن برنامج الائتلاف اليميني الحاكم ونشاطه العملي. وأن كل ذلك "طبع مجمل مواقف الحزب والكادر والأقسام المتأثرة من الجماهير بالتهاون تجاه ممارسات اليمين."

ويعزو ياسر كل ذلك إلى "خطأ في التحليل والاستنتاج من قبل قيادة الحزب"وإلى التراجع عن تراث عبد الخالق في ربط تكتيك الحزب على الدوام باستراتيجية. 

ويقول ياسر "أن الذي يحدث الآن هو أن شعارات الانتفاضة تتراجع ويتقدم نهج الصحوة بكامل النظام القديم وأساليبه وبالاستفادة من كل قوانين ومؤسسات النظام السابق،"بينما "المطلوب هو التمسك بأهداف الانتفاضة وتحويل ذلك إلى برنامج وأعمال نضالية من جانب الجماهير وليس اختزاله واختصاره على دورات اللجنة المركزية والمقالات الصحفية دون طرح هذه المهام كواجبات نضالية مباشرة تتطلب التنفيذ ودفع الجماهير للمطالبة بها والضغط على السلطة بكافة أشكال العمل المجربة والمتاحة."

ومرة أخرى يلجأ ياسر إلى الاتهامات غير المؤسسة وغير المسنودة بأية نماذج أو أدلة. إن خط الحزب وبرنامجه النضالي واضحان وقد صاغتها دورات اللجنة المركزية (وذلك أمر لا مندوحة عنه) ونشرا في «الميدان» وبمختلف الوسائل. وإذا كان هناك خطأ في التحليل والاستنتاج فقد كان الواجب إبرازهما. وإذا كان هنالك تهويل من سياسات اليمين بحيث يبدو وكأنه قد غير طبيعته الطبقية فقد كان الواجب تقديم نماذج محددة. وإذا كان هناك تهاون تجاه ممارسات اليمين فقد كان من الضروري أيضا كشفه وتعريته. 

في قضايا الصراع داخل الحزب لا يجوز إطلاق الاتهامات الجزافية أو العائمة. وياسر يتحدث عن "المناورات واللقاءات والاجتماعات والاعتماد على العمل الفوقي مع قوى اليمين."كما يتحدث عن "القفز فوق كثير من المسائل المبدئية."لكنه عندما يجد نفسه مضطرا عن للحديث عما يمكن أن يفعله الحزب فإنه لا يخرج عن ضرورة "التمسك بأهداف الانتفاضة وتحويل ذلك إلى برنامج وأعمال نضالية ... مباشرة تتطلب التنفيذ ودفع الجماهير للمطالبة بها والضغط على السلطة بكافة الأشكال المجربة والمتاحة."

لكنه بالطبع لا ينتبه للتناقض بين ما يقوله هنا وتأييده لخط النضال المسلح الذي تمارسه الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي يطالب الحزب بتبنيه. إن الحزب الشيوعي لم يتراجع ولم يهادن، وياسر هو الذي عجز عن فهم الواقع، وكان يعيش داخل الحزب ببدنه فقط ولكن فكره البرجوازي الصغير كان يسبح في لجج الرومانسية الثورية. 

(٤) ويتطرق ياسر في سياق الحديث عن التكتيكات إلى قضية السلطة التي يعتقد أنها "يجب أن تستأثر باهتمام الحزب"مما يستلزم تلخيص التجربة والتوصل إلى "تقييم عميق وناضج ومقنع وشامل"لها و"الخروج بالتكتيكات المناسبة وتطوير أدوات وأشكال العمل دون أن نحصر أنفسنا في شكل واحد، مثلا تشكيل جبهة واسعة وإضراب سياسي كأداة، وسقوط الديكتاتورية ثم ماذا."ويضيف "إن هنالك أسئلة تطرح: مثلا الحزب كان يطرح العصيان المدني والانتفاضة المسلحة، وقامت الانتفاضة ولم تكن مسلحة." 

ويرصد ياسر قضايا أخرى مستجدة في الواقع السياسي وتحتاج لإعمال الفكر وليس وضعها في الرف، مثل قضية السلطة ودور المناطق المتخلفة...الخ. 

ويمضي ياسر إلى القول إن "تقييم هذه القضايا ليس ببعيد عن التقليل الذي يحدث اليوم لدور حزبنا ونفوذه وقدراته. والتقليل من دور حزبنا اليوم يعني التقليل من دوره في المستقبل. ودور حزبنا لا يقاس بالوزن العددي لكادره أو مقدار ما حصل عليه من أصوات في الانتخابات. وزن حزبنا في صحة خطه وبرنامجه وقدرة كادره على معالجة قضايا الواقع." 

ويضيف: "إن دور الطبقة العاملة في عصرنا الراهن لا يرتبط بعدديتها ولا بمستوى تمركزها، كما أنه لا يتوقف بالدرجة الأولى على مواقف الطبقات والفئات الاجتماعية الأخرى وممثليها السياسيين، فهذه المواقف تحددها المواقع الطبقة لهذه الفئات والطبقات! إن دور الطبقة العاملة بالدرجة الأولى لا يتوقف على عدد أعضاء الحزب الثوري وحجمه وإنما على برنامجه وممارسته الثورية المنسجمة."

كيف يمكن أن نفهم طرح قضية السلطة في الوقت الذي لا يهمنا فيه الحجم العددي لحزبنا ولا حجم الأصوات التي حصلنا عليها في الانتخابات، وفي الوقت الذي لا يهمنا فيه حجم الطبقة العاملة ولا نوعها ولا تمركزها ومواقف الطبقات والفئات الأخرى؟ إنه نمط التفكير الذي يميز العقلية الانقلابية وعقلية البؤرة الثورية المسلحة (بدء الثورة المسلحة بواسطة فصيل متقدم تلتف حله الجماهير فيما بعد). 

لكن ياسر في تخبطه يعثر على فكرة جيدة دون أن يتوقف ليتمعن فيها، وذلك حين أشار إلى أن الحزب كان يطرح العصيان المدني والانتفاضة المسلحة، وقامت الانتفاضة ولم تكن مسلحة. 

لقد قامت الانتفاضة ولكنها لم تكن مسلحة، أي أنها قامت قبل أن تستعد قواها لها والسلاح في يدها. ترى، هل كان الواجب أن نعارض الانتفاضة أو نسعى لإيقافها لأنها لم تكن مسلحة؟ 

إن الحياة أغنى من كل الشعارات والبرامج. ولقد فرضت الحياة أن يتعامل الحزب الشيوعي مع انتفاضة غير مسلحة وأن يضع لنفسه والحركة الجماهيرية من المهام ما يتفق مع هذه الحقيقة. 

خاتمة

إن أفكار العضو السابق ياسر عرمان، رغم كل ما أحاط بها من نوايا طيبة، هي أفكار برجوازية صغيرة مشبعة بالضيق من مصاعب ومشاكل العمل الثوري في ظروف بلادنا وشعبنا المعقدة. 

وفي مثل هذه الظروف فإن الأسهل هو إلقاء اللوم على قيادة الحزب واتهامها بالقصور وحتى الانتهازية، كما أن «الهروب إلى الأمام» يبدو هو الحل المثالي، ومن ثم تنشأ الاتجاهات والنظريات الانقلابية بأشكالها المختلفة والتي يتم التبرير لها بالحديث عن عدم أهمية الحجم العددي للطبقة العاملة وحزبها وعدم أهمية مواقف القوى والطبقات الاجتماعية الأخرى. 

ومع تراجع الانتفاضة تنمو مثل هذه الاتجاهات والأفكار والنظريات. وعندما توجد مثل الحركة الشعبية لها تأثيراتها من الناحية العسكرية، فإنها تصبح ملاذا حيث تستقوى بها اتجاهات البرجوازية الصغيرة سواء كانت أفرادا أو أحزابا صغيرة. 

موقفنا من العقلية الانقلابية ومن نظرية البؤرة الثورية واضح ومحدد في أدبنا الحزبي وفي نشاطنا العملي. وبالنسبة للحركة الشعبية لتحرير السودان ننطلق من أن النظر إليها كقوة اجتماعية وسياسية متجانسة خطأ وفي كل الأحوال لا بد من تأكيد تمايزنا الطبقي والأيديولوجي والتنظيمي عنها. 

انتهى

الفاشر الحية، جمرة حية

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ٩٩ بتاريخ ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٥. 

أعلن قائد الدعم السريع يوم 29 أكتوبر الجاري أنّ قواته «طوَت صفحة الحرب في المدينة [الفاشر]وبدأت مرحلة السلم»، وصدَقَ بطريقةٍ ما؛ فالحياة ميدان الصراع، والحرب باب السلام الأبديّ الذي عبَره آلاف الشهداء في الفاشر وفي بارا وفي غيرهما، عُزلاً من السلاح أمام جبروت قوّاته. خاض جنود الدعم السريع في الفاشر حرباً كليةً منذ بداية حصارهم للمدينة الممتدّ لعام ونصف؛ حرباً ضدّ البشر والشجر والحجر، وانتهت مهمّتهم إذا جاز التعبير بقتل مرضى المستشفيات في أسرّتهم، ولم تترك حربُهم من الحياة صفَقَة شجرة. يعود عمران الفاشر المدينة الحالية إلى أواخر القرن الثامن عشر، حين اختار السلطان عبد الرحمن الرشيد، ولقبه «اليتيم»، وادي رهَد تندلتي في سهل الجبل الشرقي موقعاً لبناء عاصمته، وذلك لخصوبة أرضها، فقام قصرُه على الضفة الشمالية للوادي وازدهرت المدينة من حوله. سرعان ما صارت فاشر السلطان بذلك مركزاً تجارياً ومحطةً للقوافل التجارية العابرة من حوض النيل وكردفان وتشاد وليبيا.

كانت الفاشر هدفاً لأكثر من حرب، فقد دخلها الزبير باشا ود رحمة في 29 أكتوبر 1847 وكيلاً للتركية السابقة بعد هزيمة السلطان إبراهيم قرَض في مَنَواشي. وحاصرتها قوّات المهدية بقيادة خالد زقل، لمدة أسبوع أو نحوه، وقصفت الحاميةَ التركية الصغيرة نسبياً من موقع قصر السلطان إبراهيم حتى خضعت لها في 16 يناير 1884 (ج. د. لامبن، تاريخ دارفور، السودان في رسائل ومدونات، م 31، ع 2، جامعة الخرطوم، ديسمبر 1950، ص 177-207). ثمّ قصفتها طائرات سلاح الجو البريطاني في مايو 1916 ضمن الحملة الحربية لإخضاع دارفور بقيادة اللواء ب. ج. كيلي حتى هزيمة جيش السلطان علي دينار في برنجية واحتلال الفاشر المدينة في 23 مايو 1916 (ديڤيد كيلينغراي، يد الحكومة الحاسمة: سلاح الجو في مستعمرات بريطانيا الإفريقية، مجلة التاريخ الإفريقي، م 25، ع 4، دار جامعة كمبردج، أكتوبر 1984، ص 429-444).

لكن، لم تكن أيٌّ من هذه الحروب حرباً كلّيةً كحرب الدعم السريع، تنطفئ بها الحياةُ مرةً واحدة. إنْ كان العدوّ الذي تستهدفه الدعم السريع دولة الاستقلال في 1956، فقد وجد الاستعمار والاستقلال الفاشر قائمةً تبزّهما عمراناً وجذوراً، وإنْ كانت تستهدف «الإسلاميين» كقوة سياسية فليسوا هم الذين أعدمتهم بالرصاص في أسرّة المستشفيات وفي شُعَب المدينة حتى رصدت الأقمار الصناعية تراكم الجثث وانقلاب الأرض حمراء بالدم المسفوك، وإن كانت تستهدف القوة العسكرية للفرقة السادسة مشاة فقد انسحبت القوة من موقعها الذي ظلّت عنده لعام ونصف، وفازت الدعم السريع بالحيطان، لكنّ حربها «شاملة».

ظهر هذا المفهوم، «الحرب الشاملة» إلى العلن، عشية الحرب العالمية الثانية، وساد قبله مفهوم «الحرب الحاسمة» عند فيلسوفها كارل فون كلاوسفتس: إذا كان هدف الحرب هو فرض الإرادة على الخصم بقوة السلاح، فالنجاح فيها هو وضع الخصم في موضع يستحيل معه الدفاع عن النفس وتنعدم كلّ مقاومة، وأوّل خط دفاع هو الجيش النظامي، ومتى انهار أو انكسر انفتح الباب لهذه الإرادة. وكانت نظرة كلاوسفتس أنّ النصر على الخصم يتحقّق بمعركة فاصلة أو سلسلة معارك فاصلة تنكسر بها قدرته على القتال.

طوَّر الجنرال إريش فون لدندورف مفهوم «الحرب الشاملة» في سنين الذلّة الألمانية بين الحربين الأولى والثانية، ومسألتُه فيها؛ خلاف سيطرة المهنية العسكرية على الحرب والسلام، وكانت قد تضعضعت بالسياسة التي فرضها الحلفاء المنتصرون على ألمانيا المهزومة، تأكيدُ ما بين الحرب وصبغتها السياسية من وشيجة. وعكَس هذا المفهوم تحوُّلاً من تصوُّر الحرب بوصفها صراعاً عسكرياً بين جيوش إلى نزاع حول البقاء بين قوميات، فلم تعد مواجهةً عسكريةً لفرض مُلك أو إنقاذ عرش، وإنما صراعُ وجودٍ تندرج فيه أمّة قومية من الناس بحالها في مواجهةِ أخرى. انعكس ذلك أول ما انعكس في زيادة التجنيد العسكري، زيادة أعداد المقاتلين، وسيلةً لحشد الأمّة للقتال، هذا في مقابل «المدنيّين» في جبهة الأمة الداخلية.

جعل لدندورف أول عناصر هذه «الحرب الشاملة» كسر الجبهة الداخلية «المدنية» للعدوّ، ما يعجّل بانهيار بناء الدولة حتى قبل أن تنهار قوّتها العسكرية في جبهة القتال. واقترح لتحقيق هذا القصد، ضمن ما اقترح، تجنيد قوى غير نظامية تستطيع عبور خط النار العسكري لاختراق جبهة العدو الداخلية بالتخريب. خرج لدندورف بهذا الدرس من محاولة القيادة العسكرية الألمانية تجنيد «دفاع شعبي» خلال الحرب الأولى؛ المحاولة التي فشلت أيّما فشل، وكانت دليل لدندورف أنّ الجبهة الداخلية الألمانية انهارت قبل أن تنهار صفوفها العسكرية.

كان رأي لدندورف أنّ أمّةً تعصف بها الخلافات الداخلية لن تستطيع الصمود في مواجهة عسكرية، مثالُه في ذلك الجمهورية الألمانية بين الحربين العالميتين. وهي المرحلة التي روَّج فيها المثقّفون اليمينيّون، أرباب الفاشية الصاعدة، لضرورة «الحل الشامل» لمصاعب بلادهم التي أعجزت الديمقراطية الانتخابية، يفكّك القديم، يدمّره تدميراً، ويبعث من الرماد أمّةً جديدةً، تاريخُها في ماضٍ أسطوريّ غابر من الصفاء العِرقيّ. انتقلت عدوى الشمول هذه إلى ميادين حياتية مختلفة، فقد بشَّر والتر غروبيوس بتصميمٍ جديدٍ لمسرح «شامل» يضمّ الجمهور ضمن طاقم المسرحية، ونادَى الروائي إرنست يونغر بحشد الأمة، كلّ الأمة، للحرب، ثمّ زكّى القانوني إرنست فورتهوف مفهوم «الدولة الشاملة» في ورقة أكاديمية من العام 1933 كانت من الأسس الدستورية للنازية الألمانية.

قال لدندورف، من هذا الباب، إنّ النصر في الحرب معقودٌ بتجنيد كامل الأمة وخوض «حرب شاملة لا تستهدف القوات العسكرية للعدوّ فقط، وإنما تستهدف كلّ الشعب العدوّ». وهي عنده حرب عدائية لتحقيق أهداف دفاعية، الحفاظ على الأمة في مواجهة أعدائها من الأمم الأخرى، وعقيدته فيها أنّ أفضل وسيلة لضمان سلامة الأمة هي إبادة الأمّة العدو. فالحرب الشاملة، بهذا التقدير، هي حربٌ تحشد فيها الدولة الشاملة كلّ قواها لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية كلية. قد تستفظع قارئةُ اليوم مفهومَ لدندورف، لكنه مفهوم ظاهر واضح كاشف، قضيّتُه أنّ إخضاع أمّة العدوّ لا يمكن تحقيقه سوى باعتبار كلّ فرد فيها عدوّاً وهو بذلك هدف مشروع. جرى نشر كتاب لدندورف «الحرب الشاملة» في ديسمبر 1933 (دار نشر لدندورف، ميونيخ)، وحقّق في ألمانيا النازية شعبيةً تَصدَّر بها مبيعات الكتب غير الأدبية، وصار بها مفهومه «الحرب الشاملة» عنصراً من عناصر الخيال الشعبي. اشتُهِر على سبيل المثال نداء وزير دعاية هتلر، جوزيف غوبلز، للجماهير في ميدان قصر الرياضة في برلين في 18 فبراير 1943: «عايزين حرب شاملة؟»، وجواب الجمهور: «أيوه!».

جاز اعتبار «الحرب الشاملة» نمطاً مثالياً تقترب منه الحروب وتبتعد. جاء دارسون جدد للحرب، منهم ستيفن غراهام، صاحب «مدن تحت الحصار: الحضرية العسكرية الجديدة» (دار فرسو للنشر، لندن، 2010) بعناصر تتمايز بها الحرب الشاملة لصاحبها لندندورف عن الحرب الحضرية الجديدة، الحرب على المدن، ومثالها المُعاش، الذي تناقلته الشاشات حدثاً سينمائياً أو يكاد؛ الحرب الصهيونية على عاصمة الحرّية في عالمنا غزّة، أو في صيغة «قدِّر ظروفك»، بتكلفة أقلّ، وتقنية أدنى، حرب الدعم السريع على الفاشر. جنديّ الحرب الجديدة عند غراهام، مقاتل ريفيّ، وطنيّتُه قريته وربعه، يرى كلَّ مجال حضري ميدانَ حذر وخطر، فساد وتخثّر، والدار دار. ولا تُميِّز هذه الحرب في تطبيقاتها التقنية بين مدني وعسكري، فتستغلّ كلّ تقنية متوفرة، مدنية وعسكرية، للرصد والاتصال والتمويه والاستهداف، فلا يمكن في الحقيقة تمييز هذين الغرضين في وسائلها أو أهدافها. تقع عدسة الكاميرا في القلب من هذه التقنيات متعدّدة الأغراض، فهي وسيلة الرصد والاستهداف، وكذلك وسيلة التمويه والدعاية. من ذلك تكتيك الدعم السريع الثابت: إنزال أقصى درجات العنف بخصوم عُزل، والتمثيل بهم، والكاميرات تدور، ثمّ بثّ هذه العذابات على الملأ بقصد بثّ الرعب وإرهاب النفوس، ثمّ يتلو ذلك الإنكار المتكرّر، بدعوى أنّ ما بثّته الكاميرات كان صناعةً وتركيباً، وأنّ بعضه مدسوس مصنوع، مع الوعد بالتحقيق ومعاقبة الجناة وحسن السير والسلوك في مستقبل منظور.

يتعدّى هدف مثل هذه الحرب إخضاع الخصم أو كسر إرادته إلى مسح وإعادة تركيب المجال الحضري، كمثل الريفيرا التي يهذي بها ترمب ورهطه على ساحل غزة، أو المدينة الجديدة التي يتصوّرها الدعم السريع تخرج من رماد الإبادة في الجنينة والفاشر، مدينة بلا عوائق من التاريخ، تقوم على صفحة خالية لتحقيق أقصى الأرباح من مضاربات عقارية أو استثمارات تأتي ولا تأتي!

طالت يدُ الدعم السريع هذه المرة حتى بلغت حنجرةَ الفاشر فأطبقت عليها، وذلك بمَدد مستمرّ عسكريّ ولوجستيّ ومعلوماتيّ وتقنيّ وبشريّ مشدودٍ من الإمارات إلى بوصاصو الصومالية وكينيا وتشاد حتى كولومبيا ومصانع في صربيا وتقنيات أوكرانية وصينية، كأنّ الكون اجتمع على مدينة السلطان «اليتيم» هذه، لكنها لم تنهزم، حيّة كجمرة حيّة يحملها النازحون إلى طويلة وكرنوي في أجسادهم وعظامهم، كالفاشر النسخة الأولى؛ العاصمة التي كانت ترافق سلطان دارفور كرُوحه حتى قامت في الجغرافيا.

أتَـر: عندي معهد وطني العزيز

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١٠١ بتاريخ ١٣ نوفمبر ٢٠٢٥.  

أمَر خليفة المهدي في العام 1887 بجَرْد مطبعة «الحجر»، وكانت ملحقةً بالترسانة الحكومية في الخرطوم حتى قيام المهدية، بعد أن شاع التصرُّف الهَبَتَلِّي في مهامّها. جاء أمين المطبعة مختار محمود من أم درمان العاصمة إلى الخرطوم لاستجواب كاتب المطبعة إبراهيم المطبعجي بشأن هذه الفوضى، وصدر تقرير بمحتوياتها التي شملت «1750 جلداً من جلد الحور الأصفر الحجازي و671 جلداً من جلود الحور الأحمر الحجازي و12 جلداً من جلود البلموط المصري وخمسة قطع جلود بيضاء و22 قطعة جوخ» إلى جانب «ورق أبيض ودفاتر وما أشبه، فلكسرته [فلِكثرته]وعدم إمكان جرده جرى تستيفه بالمخازن كما هو مرغوب، بحيث إذا لا سمح الباري وحصَل أدنى خلل بها يكون متّضح». من ثمّ صدَر الأمر بإعادة تشغيلها. وضَمّ فريقُها نفراً غزيراً، عشرة أسطوات ومساعديهم وأحد عشر من الدوارين والأوادم وأربعة من المجلِّدين وستة من مساعديهم، وطَبعت خلال الحكم الوطني راتب الإمام المهدي وشرحه والمنشورات ورسالة العبادي ورسالة ود الزهرا ومطبوعات أخرى حكومية ودينية توعوية. كانت مطبعة «الحجر» بهذه الممارسة وسيلة للإعلام الحكومي، والتوجيه المعنوي، وحثِّ خيالٍ للوطن، وهو في ظلّ المهدية، وطن انقطَعَ عن الزمان الدنيوي بخطوةٍ في شان الله.

قامت الصحافة، منذ عهدها الأول في السودان، بهذه الوظائف الثلاث: الإعلام الحكومي، والتوجيه المعنوي، واختبار خيالٍ للوطن. وتقاسَمَت الصحافة الدارجة، من لدنّ «الغازيتة» التي صدرت لأول مرة عن حكومة السودان في 7 مارس 1899 حتى «أتَـر» بين يدي القارئة، هذه الوظائف الثلاث بدرجات متفاوتة تقلّ وتكثُر من صفر حتى الفورة المليونية. كانت «الغازيتة»، وعلى نهجها الصحيفة الحكومية، منبر جهاز الدولة وميكروفونه، تُعْلِم من خلاله الدولةُ جمهورَ «الأهالي» بقوانينها وفرماناتها وإرادتها، بما في ذلك ما تراه الفطرة السليمة والدِّين الصحيح. ويَدخُل في هذا الغرض كذلك التوجيه المعنوي الذي تقاسَمَت نشيدَه جريدة الحكم وجريدة المعارضة، حزبية وفئوية، فمِن كلٍّ تستقبل القارئةُ التوجيهاتِ والتعليماتِ والإرشاداتِ من باب بثّ «الوعي» الذي يأتي ولا يأتي.

فرضيّة التوجيه المعنوي المبطنة والظاهرة، بحسب قوّة عين الداعية وغضبه، أنّ القارئة صحنٌ خالٍ من المعنى سوى ما يجب إزالته، كما السكن العشوائي، ليحلّ في فؤادها «الوعي» الناظم للحياة الجديدة، كقولهم مبادئ فوق دستورية، دياراً أيديولوجية مهذّبة البنيان وشوارع معبّدة مرصوفة تخلو من «الخرافة» و«الكَرُور» المعنوي، سواءٌ أكان ذلك «يا المكاشفي» التي يُطلب بها الفرج أم «خطاب الكراهية» المبثوث في مثل «سيفك في غضاريف الرجال أرْوِيه»، معيار المرأة الفأس التي لا تشقّ الرأس، أو مثل «العقل الرعوي» الذميم إلّا إذا قام مُسلَّحا ضد «الكيزان» إياهم، و«العلف» الذي لا شفاء من إدمانه والفشل. يقع سوء الظنّ بالقارئة إذَن في موقع القلب من هَمّ التوجيه المعنوي الطاغي في جنس «المقال»، وهو الجنس الكتابي الذي تتعلّمه كلُّ تلميذةٍ في المدارس على طريقة موضوع «الإنشاء»؛ انتقل بغير عافية التصويب اللغوي والتحرير سوى النّزْر اليسير إلى صفحات الجرائد، تقوم حول فنّه في الإفحام مبارياتٌ كتابيةٌ على سُنّة «في الردّ على…». والقارئةُ بهذا التصّور مِثْلها وجمهور الدوري، درجة ثالثة أو ممتاز، مَهمّتها التشجيع والتصفيق بقوّة، والاقتراح ربما متى تيسّر استبدال هذا اللاعب بذلك أو إدانة الحَكم، تتمسّك بفريقها في لَقَى أو عَدَم، لا أحيد.

يُداخِل شُغلُ التوجيه المعنوي وظيفةً ثالثةً للصحافة كما عرفناها، فعبرها تبشّر فئة كاتبة بخيالها عن الوطن، يضيق ويتّسع بحسب مواقعها الاجتماعية من لدنّ جريدة «السودان» وتعريفها «جريدة سياسية تجارية أدبية إخبارية زراعية» التي صدرت لأول مرة في أكتوبر 1903 بيد فارس نمر ويعقوب صروف وشاهين مكريوس، أصحاب دارَي نشر «المقطم» و«المقتطف» القاهريّتين. والسودان الذي بشّرت به «السودان» مستعمرة بريطانية توسّلت الجريدةُ رسمَ خريطته المعنوية في أذهان قرّائها السوريين والمصريين العاملين في الحكومة والتجارة. وأصدَرت الجريدة لهذا الغرض أيضاً صفحةً في الإنقليزية في ديسمبر 1904، بعِلّة مستمرّة متجدّدة هي بعض تبعات اندراج السودان في عالم أكبر مكين: «اقترَح علينا كثيرٌ من كبار الموظّفين الإنقليز أن ننشر خلاصةَ أخبارٍ بالإنقليزية حتى يطّلع عليها الذين يجهلون العربية من سكّان السودان والذين تهمّهم أخباره من سكان البلدان الأجنبية، فرأينا أن نُجيب الطلب، وخصّصنا الصفحة الرابعة من الجريدة لهذا الغرض. وقد أقدمنا على هذا العمل ونحن لا نجهل الصعوبات الكثيرة التي تعترض سبيلنا، فإذا صادفنا النجاح المطلوب من نشر أخبار السودان بين الذين يهمّهم الأمر جَرَيْنا على هذه الخطة إلى ما شاء الله». تبدّلت حدود هذه الخريطة المعنوية بطبيعة الحال وتنوّعت، فهي حلقة أدبية وإذاعة لتنقّلات الموظّفين كما «رائد السودان» التي صدرت لأول مرة في يناير 1913 ملحقاً عربياً لجريدة «سودان هيرالد» يحرّرها الأديب السوري عبد الرحيم مصطفى قليلات، الموظّف بسكك حديد السودان.

فزّ سهم «رائد السودان» بالتوجيه المعنوي أيضاً، إذ لم يَرْضَ المتعلّمون بالثقافة كما قامت من حولهم، وهَمّوا بتبديلها بأخرى في حملةٍ لَمّا تنقطع: «لقد ركب السودانيون متن الشطط في أفراحهم وجروا شوطاً بعيداً في أتراحهم، وإنْ كان القِسْم الأول أكثر أهمية فلنبدأ به ونقول إنّ حفلات الزواج في السودان أصبحت من الأمور المستهجَنة التي يأباها العقل ويمجّها الذوق السليم، ولسوء الحظّ صارت من المحافظة عليها بمكان لا يستهان به وقد انبرَى لها أناس من أرباب البطالة فوضعوا لها برنامجاً غريباً جاءوا فيه من ضروب الحيل لابتزاز مال المتزوّجين ما أوصلهم إلى كياسة الأسفنج في أخذ الماء مع مزيد من الرفق والسهولة». وهذا التركيب نمطٌ مستقرٌّ في «رَدَحِي» المتعلّمين بوجعةٍ تخصّهم، في هذه الحال مال الزواج، ويمكن للقارئة أن تضع مسائل أخرى في محل «حفلات الزواج» ويصحّ «الرَّدَحِي» كما هو، من زيّ البنات حتى الاستماع إلى يوميات «الانصرافي»، فكل ما يخالف إرادة المتعلّمين مخالف بطبيعة الحال للعقل والذوق السليم.

انشرحت الجريدة عندنا إذَن بخرائط معنوية للوطن، فوطن «حضارة السودان» التي صدرت في فبراير 1919، كأوّل جريدة سودانية التأسيس والتحرير، مرآةٌ لصراع الخرّيجين الذاتي حول «لماذا نطلب حلّ الشراكة وتوحيد الحكومة؟ لماذا نختار الإنجليز على المصريين؟». خرج هذا الصراع إلى الشارع وسال دماً في ثورة 1924 التي نشأت بها خرائط مضادّة شغَلتها على مراحل طلائع حركة التحرّر الوطني، ولكلٍّ هاتفٌ ومنبر، «النهضة السودانية» في 1931، ثمّ «الفجر» في 1934، و«النيل» في 1935، و«صوت السودان» في 1940، و«السودان الجديد» في 1943، و«الرأي العام» في 1944، و«كردفان» في 1945، و«الصراحة» في 1950، و«الأيام» في 1953، و«الميدان» في 1954، و«صوت المرأة» في 1955 و«التقدم» الإنجليزية بشيوعية في 1964، و«اليقظة» الإنجليزية، لسان حال «الجبهة الجنوبية»، في 1965. فماذا قدّمت «أتَـر» في أثر هذا الإرث الحي؟

تراءت للقارئة بين صفحات الجرايد على الدوام جريدةٌ أخرى، تحتجب وتسفر، في كلمة العدد هذه، وفي هذا التقرير وذلك، في هذا الحوار، وفي هذا المقال وذاك، وفي هذه المذكرات المسلسلة أو في الصفحة الأخيرة «أقبض!»، تراءت جريدةٌ تقوم بخلاف الوظائف الثلاث المذكورة ومعها، في أغراض متقاطعة ومتداخلة، بالاستماع مرّة لصوت القارئة من موقع حليف لا من منبر الداعية والخطيب، جريدة ترصد الوقائع وتختبر الفرضيات، لا هي ميكروفون منبر ولا هي طبلة مشجّع. داخلت هذه الوشيجة خبر «الأيام» الشهير باقتصاره على الواقعة وإمساكه عن «الرَّدَحِي»، كما داخلت تقارير «صوت المرأة» التي لا تدسّ اختيارها ولا تستتّر، مرّة لأي زول، وداخلت همّ «الصراحة» بالتربال الأغبش الذي قال المرحوم عبد الخالق محجوب لا تقوم «الثورة الوطنية الديمقراطية» إلا به، وداخلت زاوية «كردفان» المُنفرجة بتقاطعٍ مركزُه الأبيض وليس العاصمة، وداخلت عزة «الميدان» بالماركسية لا تستنكف رصد العلاقات الاجتماعية في مثل شعر «الهمباتة» تسعى «الثقافة الديمقراطية» من واقعنا ما من أكثر، وعندي معهد وطني العزيز! فهل فعلَتْها «أتَـر»؟


اعتمدتُ في هذه الكلمة على كتاب المرحوم محجوب محمد صالح «الصحافة السودانية في نصف قرن» (الجزء الأول، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1996)، الذي صدر أول الأمر في 1971 عن دار جامعة الخرطوم للنشر، وعلى مقال الدكتورة هيثر شاركي «قرن من الطباعة: الصحافة العربية والقومية في السودان، 1899-1999» (المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط، م 31، ص 531-549، 1999)،  وعلى مقال الدكتورة كاثي ولكوك «تسطير الوطن: الدعاية السياسية الموجّهة إلى الخارج لحركة التحرر الجنوب سودانية» (مجلة دراسات شرق أفريقيا، م 18، ع 4، ص 556-574، 2024).

إيران المقاتلة: إذا هبت أمرا فقع فيه

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٤ بتاريخ ٥ مارس ٢٠٢٦.  

تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران الساعة وقد بلغت عمر السابعة والأربعين وانقضت عليها الإمبريالية الأميركية في نسخة «٩ طويلة» للملك دونالد وذراع صهيوني ممتد وقواعد عسكرية تحيط بها في جوارها القريب من كل جانب اختبارا بقاء يفوق الحرب العراقية الإيرانية (١٩٨٠- ١٩٨٨)، حرب الأعوام الثمانية التي اشتد فيها عود جهاز الحكم الجديد (١٩٧٩) وعركت كوادره بصراع قاس مرير، قضي فيه حوالي ما لا يقل عن ٢٠٠ ألف مقاتل إيراني وفي تقديرات أخرى ثلاثة أضعاف هذا العدد. واقع الأمر أن الحرب العراقية الإيرانية مثلت التجربة التكوينية الملموسة لإيران الثورة، لا الأدب الشيعي الموروث وحده وفلسفة «ولاية الفقيه» الحديثة، فهي الحرب التي خاضتها الثورة معزولة دبلوماسيا ومتواضعة عسكريا، لكن نجت بمزيج من الحمية الآيديولوجية والتلاؤم غير المتماثل. واستثمرت إيران بوحي هذه التجربة في هياكل غير مركزية للقيادة وصناعة دفاعية قوامها المسيرات والصواريخ وشبكة إقليمية من الحلفاء طال تمرينهم لمثل هذا اليوم، يوم لقاء قوة أعظم منهم جميعا ظاهر الأمر، لحمتهم حكمة الإمام علي لينينية الطابع: «إذا هبتَ أمراً، فَقَعْ فيه؛ فإنّ شدّة توقّيه أعظمُ مما تخافُ منه». 

لطالما حامت شبهة «العبثية» حول حرب الثمانية أعوام هذه في الأدب الغربي فهي عند مؤرخين ذوي شأن صيغة متجددة للصراع الأزلي بين الفرس والعرب للسيطرة على الخليج والهلال الخصيب، وعاد بها بعضهم إلى صراع الحضارتين البابلية والفارسية الأولى، وقال آخرون الجذر في الدمار الذي لحق بدولة فارس الساسانية على يد العرب المسلمين في القرن السابع ثم تحول الفرس إلى الإسلام، وطغى بطبيعة الحال التصور القائل بأنها امتداد للصراع المحتدم على القوة والنفوذ بين الشيعة والسنة. هذا بينما رد المؤرخان العسكريان وليامسون موراي وكيفن وودز الحرب العراقية الإيرانية إلى التكوين الذاتي لكل من صدام حسين وروح الله الخميني وطموحاتهما التي تفوق ما بيدهما من قدرات (و. موراي و ك. وودز، الحرب الإيرانية-العراقية: تاريخ عسكري واستراتيجي، دار جامعة كمبردج، كمبردج، ٢٠١٤). 

لا غرو أن أيا من هذه العوامل واجتماعها قد يفسر الاستعداد التاريخي للصراع بين إيران والعراق، بصيغة أخرى قد تفسر هذه العوامل احتمال الحرب، لكنها لا تفسر نشوب حرب بعينها في الزمان والمكان، كما لا تفسر فترات السلم والتعاون الطويلة بين البلدين الحديثين خلال القرن العشرين. فقد تعاون كل من العراق وإيران في عشرينيات وثلاثينيات القرن على كبت التمردات على حدودهما لا سيما التمرد الكردي الطويل بمطلب حق تقرير المصير ودولة مستقلة. كما توصلا في ١٩٣٧ إلى تعاهد سلمي بخصوص النزاع بينهما حول شط العرب وتعاقدا فوق ذلك بحلف أمني حلف سعدباد يجمعهما وتركيا وأفغانستان، وقام بين الإثنين في ١٩٥٥ وبريطانيا وتركيا وباكستان «حلف بغداد» تحت لواء غربي، واستمر التعاون بينهما حتى أواخر الستينات. 

انتبه إلى هذه المسافة بين وقائع الصراع وبين تفسيره الدكتور افرايم كارش، المؤرخ الصهيوني وأستاذ دراسات الشرق الأوسط والمتوسط في كلية الملك (لندن) في كتابه القصير «الحرب الإيرانية العراقية ١٩٨٠ ١٩٨٨» (أوسبري للنشر، ٢٠٠٢). قد لا تأتمن قارئة حريصة مثل كارش على حقيقة حربية فقد قامت سمعته الأكاديمية على زعمه أن النكبة الفلسطينية عام ١٩٤٨ كانت بالدرجة الأولى من صنع الفلسطينيين أنفسهم، فقد هجروا مساكنهم وقراهم بدفع من زعمائهم المحليين ومن «جيش الإنقاذ العربي» الذي حثهم على اللجوء منعا لتحولهم إلى مواطنين في دولة إسرائيل الجديدة، وجاء في هذا الباب بوثائق منتخبة، مراسلات وتقارير صحفية وشهادات شخصية (افرايم كارش، خيانة فلسطين، دار جامعة ييل، لندن، ٢٠١١). قدم المؤرخ كارش، المحلل البحثي والضابط السابق في جيش الدفاع الإسرائيلي، هذا التصور لتبرير الموقف الصهيوني الرافض لحق «العودة» من موقع «علمي» و«أكاديمي» يمكن التسويق له بعبارة مهذبة. لكن يستحق كتابه عن حرب الثمانية الأعوام الاعتبار بالذات لاهتمامه بالدواعي المباشرة والوقائع التي قامت فيها الحرب العراقية الإيرانية وقال انطلقت طلقتها الأولى في ١٩٦٩ وأصابت الهدف في ١٩٨٠. 

انقطعت سيرة التعاون بين العراق وإيران في أول السبعينيات بعلل مركبة. أعلنت بريطانيا في ١٩٦٨ تفكيك قواعدها العسكرية شرق السويس وتعاظمت طموحات إيران البهلوية بزيادة مداخيلها من البترول، الأمر الذي ورث منه الشاه محمد رضا بهلوي عزما على تعضيد مكانة أيران كضامن للأمن في الخليج الفارسي. قدر الشاه أن إيران مهيأة أن تعلب دور حارس الخليج وضابط شؤونه فتوسع في الإعداد العسكري والتسليح وقرر ضمن هذا البعث الإيراني فض معاهدة ١٩٣٧ مع العراق بخصوص شط العرب من طرف واحد. وكانت المعاهدة رسمت الحدود بين البلدين عند مستوى الماء الأدنى على الشط الشرقي ما أعطى العراق السيطرة على كامل الطريق المائي عدا المنطقة القريبة من مدينتي آبادان وخورامشهر الإيرانيتين. رفضت إيران بهذا التحلل من معاهدة ١٩٣٧ دفع رسوم الملاحة للعراق فعبرت في ٢٤ أبريل ١٩٦٩ سفينة تجارية إيرانية مياه الشط ترافقها قطع من البحرية الإيرانية. واستثمر الشاه فوق ذلك من ماله الوفير ما استثمر في دعم الحركة الانفصالية الكردية في العراق. 

اشتبك الجيشان العراقي والإيراني بهذه الدوافع المباشرة في معارك محدودة في شتاء ١٩٧٣/١٩٧٤ عبر شط العرب بان فيها التفوق الإيراني على النظام العراقي بقيادة أحمد حسن البكر، وصدام حسين وقتها نائب للرئيس. ترنح النظام البعثي في العراق وكاد أن يقضي بتبعات هذه المعارك السياسية والاقتصادية في جبهتين، خارجية ضد إيران وداخلية ضد الحركة الكردية المسلحة، فقدر الانسحاب ليوم آخر. رضي العراق بقسمة ضيزى في معاهدة الجزائر لعام ١٩٧٥ تنازل بموجبها عن هيمنته على شط العرب وكذلك عن كل ادعاء سابق بخصوص إقليم خوزستان ذي الأغلبية العربية. رسمت المعاهدة الجديدة الحدود النهرية في المياه العميقة وسط النهر وعادت بذلك لإيران السيادة على نصفه. والعقدة أن لإيران بخلاف شط العرب ساحل طويل على الخليج يمتد إلى حوالي ٢٠٠٠ كيلومتر أما العراق فمحبوس عن أي مخرج بحري سوى شط العرب الممتد مسافة ٤٠ كيلومتر. بلغ البلدان بمعاهدة الجزائر توازنا للقوة بينهما يميل لصالح إيران الشاه الذي حقق طموحاته في شط العرب بينما تفرغ العراق لكبت تمرد الأكراد وإعادة بناء قدراته العسكرية. 

انهار هذا التوازن يوم قامت الثورة الإيرانية في ١٩٧٩ وتحقق للمرحوم الإمام الخميني (الطريد من إيران بقرار من الشاه منذ ١٩٦٤) قيادتها. خشي العراق من إيران الثورة ما يخشى كل نظام قائم من مثال جماهيري، وجمعت هذه الخشية نظام البعث العراقي وأنظمة الخليج العربي الأميرية ومن خلفهم الولايات المتحدة الأميركية في جبهة واحدة معادية لإيران، جبهة لا يشقها الخلاف بين «تقدمي» و«رجعي» أو «اشتراكي» و«رأسمالي». بخاصة أن النظام الجديد في إيران لم يحبس دعوته، جاهر برفض النظام القائم في الشرق الأوسط وأعلن «ثورة دائمة» للأمة الإسلامية عاصمتها طهران. التقط أنصار للنظام الجديد خارج حدود إيران هذه الدعوة واستعدوا لخدمتها فقامت في نوفمبر ١٩٧٩ ثم في فبراير ١٩٨٠ مظاهرات عارمة في المدن ذات الأغلبية الشيعية في الإحساء السعودية وقامت مثلها في ١٩٧٩-١٩٨٠ في البحرين والكويت، لكن كان أكبرها جمهورا وأشدها خطرا في العراق. 

حث النظام الإيراني الجديدة شيعة العراق (وهم ٦٠٪ من السكان) على الثورة على نظام البعث ومد يد العون لمنظمات شيعية سرية كما جدد الدعم للأكراد العراقيين الذي كان انقطع في ١٩٧٥. صار خطر التمرد الشيعي على نظام البعث كابوسا شخصيا للمسؤولين العراقيين بواقعتين في ١٩٨٠، محاولة اغتيال نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز عند بوابة جامعة المستنصرية في بغداد ومحاولة اغتيال وزير الإعلام لطيف نسيم جاسم الدليمي. قال صدام حسين يوم المستنصرية: «نحن نرقص على أكتاف الموت»، ومات فعلا أكثر من ٢٠ مسؤول عراقي بقنابل المنظمات السياسية الشيعية. أعلنت إيران في ٨ مارس سحب سفيرها في العراق وبدأت المناوشات الحدودية بين الطرفين في مايو ١٩٨٠. تطورت هذه إلى تبادل للقصف المدفعي ومعارك مدرعات في أغسطس ١٩٨٠ واستمر الكر والفر على الحدود ثم أعلن الإيرانيون في سبتمبر ١٩٨٠ الانسحاب من معاهدة الجزائر وتبع ذلك إعلان عراقي مماثل. 

قامت المقاتلات العراقية في ٢٢ سبتمبر ١٩٨٠ بمحاولة جريئة لتحطيم سلاح الجو الإيراني وهو رابض على الأرض، على مثال الهجمات الإسرائيلية على الطيران المصري في حرب الأيام الستة ١٩٦٧، لكن لم تنجح المحاولة كما خطط لها. عبرت القوات العراقية المدرعة الحدود في اليوم التالي عبر جبهة ممتدة على طول ٦٥٠ كيلومتر بهدف احتلال خوزستان، فصل شط العرب عن بقية إيران، وتأمين منطقة أمنية على طول الحدود الجنوبية. لم يكن الجيش الإيراني على استعداد لمثل هذه المواجهة واقتصر وجوده في خوزستان ساعة الحرب على فرقة واحدة مدرعة في مقابل ست فرق عسكرية عراقية عبرت الحدود. لكن واجه الجيش العراقي حربا شعبيا يقودها «الباسداران»، الحرس الثوري الإيراني الوليد، بأسلحة مشاة خفيفة وزجاجات الملتوف الحارقة ومعرفة دقيقة بالناس والتضاريس. كانت هذه المعرفة سببا في إفشال الخطة العراقية إثارة عرب خوزستان للتمرد على طهران الثورة فلم تقم حركة جماهيرية مساندة للغزو العراقي وسطهم وظل ماؤهم محيط بسمك «الباسداران». 

كسب النظام الإيراني المباشر من الغزو العراقي كان مشروعية عسكرية لتأمين نفسه، كبت الصراع الداخلي بين أجنحته وضرب خصومه بغير تورع، ومن ضمن هؤلاء حزب الشعب (تودة)، الحزب الشيوعي الإيراني. شارك تودة في الثورة الإيرانية كفصيل متقدم من فصائلها، جاء إليها من مواقع العداء للاستعمار والامبريالية وفي صحنه صراعه مع حكومة الجبهة الوطنية بقيادة مصدق ثم الدفاع عنها أمام انقلاب الشاه والمخابرات الأميركية والبريطانية في ١٩٥٣ وإقامات طويلة في سجون الشاه مذ ذلك. انخرط تودة في الثورة الإيرانية على هذا الأساس كحليف للقوى الإسلامية ما دام الخط الجماهيري والمعادي للإمبريالية في محله. وكانت هذه العلاقة في بعض منها رحم فسكرتير اللجنة المركزية نور الدين كيانوري الذي تولى قيادة الحزب منذ استعادة حرية العمل السياسي بالثورة في ١٩٧٩ حفيد الشيخ فضل الله نوري (١٨٤٣-١٩٠٩)، المنافح الشرس عن الشريعة الإسلامية في مقابل التحولات الدستورية العلمانية والرائد البطل الإسلامي عند أنصار الخميني، رحم أورث نور الدين عند خصومه والشامتين لقب «آية الله كيانوري». 

كان خط كيانوري منذ حوالي ١٩٧٦ دعوة إلى تحالف عريض للإطاحة بالشاه ما دامت الثورة في المراحل الأولى، وطنية ديمقراطية معادية للإمبريالية. أثبت تقدير كيانوري سلامته فقد سقط نظام الشاه بتحالف عريض جمع قوى متباينة من حيث مواقعها الاجتماعية والسياسية بما في ذلك حزبه الشيوعي وأنصار الإمام الخميني. وجد هذا التحالف التعبير عنه في حكومة رئيس الوزراء بازرقان ورئاسة بني صدر، أطاح حزب الخميني بالإثنين كما أطاح بقوى إسلامية عارضت «ولاية الفقيه» مثل حزب الشعب الجمهوري، حزب آية الله العظمى محمد كاظم شريعتمداري، وحال شريعتمداري هذا في ١٩٦٣ بين الخميني والإعدام عل يد الشاه بأن ميزه بالدرجة الفقهية آية الله العظمى، ومجاهدي خلق الذين أنهكوا نظام الشاه عسكريا وأمنيا حتي جاءت ساعته لكن عارضوا كذلك «ولاية الفقيه». 

تهيأت الظروف للانقلاب على تودة في ١٩٨٢ حين استأنف الاتحاد السوفييتي الإمدادات العسكرية للعراق وكانت توقفت باندلاع الحرب العراقية الإيرانية في ١٩٨٠. ثم خيانة نائب القنصل في السفارة السوفييتية في طهران والمسؤول الأول عن العلاقات مع تودة، فلاديمير كوزيجكين. والذي نقل للسلطات الأمنية في إيران ماستر شيت حزب تودة كما توفرت له، قبل أن يغادر إيران إلى الغرب السعيد. انكشفت بهذه الخيانة العناصر التي تمكن تودة من توطينها في جهاز الدولة، في الحكومة وفي القوات المسلحة وفي الحرس الثوري وفي وسائل الإعلام. 

لم يتأخر النظام بطبيعة الحال وقت نضجت ظروف الانقلاب وانطلقت حملة أمنية واسعة لتصفية حزب تودة، بدأت في ٦ فبراير ١٩٨٣ باعتقال الصف القيادي بما في ذلك السكرتير كيانوري، ثم توسعت لتشمل عضوية الحزب وأصدقاءه ومن حوله وجمهوره وكل من اتصل بهم ثم إعلان النائب العام للجمهورية الإسلامية في ٤ مايو ١٩٨٣ حل الحزب. كتبت «الصوت الوطني»، جريدة حزب تودة يومها، وقد كانت حتى اليوم الذي تنصر خط الخميني: "نعم، العدو جد خطير، دموي، جبان، ولا عهد له ولا ميثاق. ولو كان غير ذلك لما اعتقل قادة وأعضاء حزب تشهد عليه وثائقه ويشهد عليه التاريخ أنه طالما دافع عن وجود الجمهورية الإسلامية، ولما اتهم أفضل أبناء هذا البلد بالخيانة والتخابر" (فارهان جاهانبور، إيران: صعود حزب تودة وسقوطه، العالم اليوم، م ٤٠، ع ٤، ١٩٨٤، ١٥٢-١٥٩). 

قبل تودة من الخميني تهما كثيرة لكن لم يقبل منه تهمة الخيانة والتخابر. وصدع يوم ٢٨ فبراير ساعة بداية الهجوم الأميركي الصهيوني على إيران بكلمة وموقف لا تتأتى سوى لمن اجتمعت عنده مثل خبرة تودة، مثل خبرة شعب إيران: "إن العدوان العسكري للإمبريالية الأمريكية والحكومة الإسرائيلية، التي تحاكمها المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لا يبشر بتحرير إيران من نير الاستبداد والحكومة الديكتاتورية الحالية، بل هو أيضا محاولة لتدمير إيران كدولة إقليمية قوية واستبدال نظام ولاية الفقيه بحكومة تابعة واستبدادية أعلنت بالفعل عن برنامج قمع دموي لمعارضيها."

لذلك أساء الملك دونالد التقدير، وجره الغرور إلى ميدان عسير التضاريس، فالجمهورية الإسلامية بسبب الصراعات التي تمور بداخلها وبسبب التساؤل المستمر عن مشروعيتها من عدمها ليست ديكتاتورية فردية، عراق صدام أو ليبيا القذافي. ويصعب أن يقبل أشد الخصوم لنظام الملالي المقاتلات الأجنبية في سماء إيران، تسرح وتمرح، كما لا يقبل الإعلان الإمبراطوري بتدميرها. لا يمحو الغزو الخارجي بطبيعة الحال الصراع الداخلي لكن يرتب حيثياته واتجاهاته، فما كان يبدو تحت ظروف السلم فتقا لا يقبل الرتق يمكن أن يتحول تحت القصف إلى تضامن مؤقت، تضامن من أجل البقاء. 


الحركة الإسلامية: إرهابيون عند اللزوم

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٥ بتاريخ ١٢ مارس ٢٠٢٦. 

تلقى رواد نادي الخريجين في أم درمان عام ١٩٤٥ دعوة «الإخوان المسلمين» التي جاء بها كل من جمال الدين السنهوري وصلاح عبد السيد المحامي ببشر وترحاب. وقامت أول لجنة إخوانية استجابة لهذه الدعوة برئاسة إبراهيم المفتي ينوب عنه بدوي مصطفى وسكرتيرها علي طالب الله وتجمع في عضويتها ضمن من جمعت محمد إسماعيل الأزهري، عم بطل الخريجين إسماعيل الأزهري. لم توفق هذه اللجنة في نشاطها وربما كانت برواية علي طالب الله محاولة من «الأشقاء» لاحتواء نشاط الإخوان كما حاولوا احتواء نشاط الشيوعيين تحت مظلتهم الكبيرة. 

أورد الدكتور حسن مكي في كتابه «حركة الإخوان المسلمين في السودان» (معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية، جامعة الخرطوم، ١٩٨٢) خلاف هذه الواقعة أكثر من صافرة بداية للجماعة في السودان أوقعها زيارة عبد الحكيم عابدين، السكرتير العام للجماعة المصرية، يرافقه جمال الدين السنهوري، في العام ١٩٤٦. ووجدا في زيارتهما هذه شعبة للإخوان قائمة في الخرطوم وأمدرمان، وطافا البلاد فأعلنت بجهدهما في الدعوة ٣٥ شعبة جديدة في جهات بورتسودان وعطبرة والدامر وشندي واستقرت لجنة عامة في أم درمان، لكن لم تفلح هذه اللجنة القائدة برواية علي طالب الله وصادق عبد الله عبد الماجد في الحفاظ على هذا الزخم الأول فظلت منه فقط ذكريات المناسبات الخطابية. 

اكتملت هذه المراحل الأولى باعتقال علي طالب الله بتهمة حيازة مسدس، السلاح الذي كان يُؤمل بمؤامرة لمّا تجتمع خيوطها أن يغتال به علي طالب الله السيد حاكم عام السودان الإنجليزي روبرت هاو جريا على سنة الإخوان المصريين وقتها في الاغتيالات، اغتيال القاضي أحمد الخازندار بعد أن أغلظ العقوبات بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة على عناصر الإخوان ثم اغتيال رئيس الوزراء محمد فهمي النقراشي في ٢٨ ديسمبر ١٩٤٨ بعد قراره في ٨ ديسمبر من ذات العام حل الجماعة ومصادرة أموالها وممتلكاتها واعتقال أفرادها. تلقى علي طالب الله في سجنه بالسودان رسائل مواساة من المرشد العام للجماعة حسن البنا وكذلك رسالة تعيينه مراقبا عاما للجماعة في السودان وعضوا بهيئة الجماعة التأسيسية في القاهرة، وانتظمت أول أسرة للجماعة تحت هذه الراية في أبريل ١٩٤٩ في دار إبراهيم عمر أحمد، صاحب ورشة نجارة في الثورة أم درمان، ثم قامت في ١٩٥٣ بجهد علي طالب الله دار للجماعة في أم درمان على قرب من المدرسة الأهلية. لكن، انقطع هذا الرافد الواعد لحركة الإخوان المسلمين في السودان بذائقة علي طالب الله في القيادة الذي كان رجل تجمع ولم يكن رجل تنظيم بعبارة الدكتور حسن مكي. كما لم يستطع الرافد الثاني، المكون من الطلاب السودانيين في مصر من الذين وافقتهم دعوة الإخوان المسلمين، وبرز بينهم صادق عبد الله عبد الماجد وكمال مدني، أن يوطن جماعة الإخوان في السودان وظلت حظوظها دالة لمد وجزر جهود الجماعة المصرية. 

لم تستقر حركة «إسلامية» وسط طلاب الثانويات وطلاب الكلية الجامعية حتى نشأة «حركة التحرير الإسلامي» في مارس ١٩٤٩ بيد طالب الكلية بابكر كرار في مقابل أنجح تنظيمات الشيوعية السودانية طُرا، «الحركة السودانية للتحرر الوطني». وهذا الرافد الثالث، رافد «حركة التحرير الإسلامي» هو الذي نشأت منه الحركة الإسلامية الحديثة في السودان، فعبر هذا الرافد جاء حسن عبد الله الترابي وجعفر شيخ إدريس ومدثر عبد الرحيم وعبد الله محمد أحمد وحامد عمر الإمام ويس عمر الإمام و«حركة التحرير الإسلامي» هي مدخل فاطمة طالب وزكية مكي وبثينة الشيخ وثريا أمبابي وسعاد الفاتح. تأففت هذه الحركة الناشئة من الاندماج العضوي في جماعة الإخوان المسلمين المصرية بحجة الخصوصية السودانية، ورفضت بصوت يوسف حسن سعيد في اجتماع مع مبعوث الجماعة المصرية عبد البديع صقر في ١٩٥٢ في دار صادق عبد الله عبد الماجد يؤرخ له الدكتور حسن مكي باسم «اجتماع السبع ساعات» الحضن المصري بحجة أن مثل هذا الاندماج سينفر أبناء الأنصار ولا داعي له فحتى حزب الأشقاء شديد الصلة مع مصر لم يندمج في حزب الوفد وظل وفيا على علله كما «حركة التحرير الإسلامي» لوطنية مؤتمر الخريجين وتناقضاتها التي نبت فيها. 

انشقت «حركة التحرير الإسلامي» بهذه الوطنية شقا عريضا، في مفاصلة باكرة، بين تيار بابكر كرار وبشرى حامد جبر الدار والدرديري إبراهيم وميرغني النصري الذي قال عن نفسه حركة تحرير منحازة للعمال والطلاب والفلاحين وليس إخوان مسلمين سياسته خطة لشيوع ملكية الأرض على هدى «الأرض لمن يفلحها» وخطة لتأميم مرافق الإنتاج، وتيار قاده يوسف حسن سعيد المتهم عند كرار بموالاة الجماعة المصرية لاعتبارات «اتحادية» والذي اتهم بدوره كرارا بموالاة الأنصار في قسمة وظيفية بينه والأمير عبد الله عبد الرحمن نقد الله. عكس هذا الشقاق على كل حال الانقسام في الحياة السياسية السودانية وقتها بين الاتحاديين في حرز الختمية والاستقلاليين في حرز الأنصار. ونشأ أدب «علماني» خاص بالإسلاميين لتحرير هذا الخلاف، لا يدور حول تقوى القلوب وأبوابها وإنما حول الصراع الاجتماعي والسياسي، منه رسالة بابكر كرار «الأرض لمن يفلحها» ومذكرة يوسف حسن سعيد في تفنيد مواقف وآراء بابكر كرار. 

اتفق رواد هذه الأجنحة، جناح بابكر كرار وجناح علي طالب الله الذي قام كامتداد للجماعة المصرية وجناح وسيط حاول المزاوجة بين الموقعين على صقل مواقفهم بالحجة في مؤتمر عام ١٩٥٤، يؤرخ له الدكتور حسن مكي بعنوان «مؤتمر العيد». انعقد المؤتمر وأن قاطعه علي طالب الله بدعوى عدم الشرعية في نادي أم درمان الثقافي يوم ٢١ أغسطس ١٩٥٤، وانتهت مداولاته ضمن قرارات أخرى إلى اعتماد اسم «الإخوان المسلمون» بصيغة محلية تقول: «الإخوان المسلمون حركة إسلامية مقرها السودان» وإقصاء علي طالب الله. فما كان من أقطاب «حركة التحرير الإسلامي» وفي مقدمتهم بابكر كرار إلا أن نفضوا أيديهم عن هذا العهد وقد ضرتهم شبهة «التبعية» لإخوان مصر وإن تحلل منها إخوان السودان، واستقلوا بتنظيمهم الخاص تحت اسم «الجماعة الإسلامية» قال عنه حسن نجيله أنه تنظيم «شيوعيو اسلام»، وتجدد تنظيمهم بعد ثورة أكتوبر عام ١٩٦٤ باسم «الحزب الاشتراكي الإسلامي».  

أما على طالب الله المرتبط بالجماعة المصرية فقد أصدر بيانا هاجم فيه المؤتمر والمؤتمرين فقال «لا أخوان ولا مسلمين» بل «مؤتمر المتآمرين» وأصدر منشورا بفصل الجميع مع صورة لمركز جماعة الإخوان المسلمين الطريد في دمشق بعد أن التهب الصراع بينهم والضباط الأحرار في مصر. تآلفت هذه التيارات فيما بينها رغم الذي بينها من خلاف لنصرة الإخوان المسلمين في مصر في محنتهم الثانية بعد محنة حل الجماعة على يد النقراشي في ١٩٤٨ ثم اغتيال حسن البنا في ١٩٤٩، وذلك في عقابيل محاولة اغتيال المرحوم جمال عبد الناصر في أكتوبر ١٩٥٤ التي جرت عليهم بأس الضباط الأحرار، إذ أقدم النظام على حل الجماعة مجددا ومصادرة ممتلكاتها واعتقال عضويتها ثم إعدام ستة من صفها الأول في ديسمبر ١٩٥٤، ونشأت في السودان لهذه المهمة برئاسة على طالب الله «الجبهة الوطنية ضد الديكتاتورية العسكرية» التي شارك فيها حزب الأمة وكذلك الشيوعيون. 

انتهى هذا الفصل من تاريخ الإسلاميين الباكر إلى تعاهد توسط فيه من قيادة الجماعة المصرية أبو المكارم عبد الحي وسعيد رمضان على أن تتصل الحركة السودانية بالإخوان في مصر فكرا وأدبا وتستقل عنهم تنظيما، فتولت القيادة لجنة جديدة برئاسة الرشيد الطاهر بكر المحامي. توسعت مواعين الحركة التي قامت بمؤتمر العيد تحت عنوان «الإخوان المسلمون» بتعريف «حركة إسلامية مقرها السودان» تحت قيادة لجنة الرشيد الطاهر ودخلت الميدان السياسي مسألتها الأولى «الدستور الإسلامي» بعباءة تنظيمية فضفاضة هي «الجبهة الإسلامية للدستور» (١٩٥٥-١٩٥٨)، وذلك حتى انقلاب نوفمبر ١٩٥٨ ومغامرة الرشيد الطاهر باشتراكه في محاولة الانقلاب على نظام عبود في ٩ نوفمبر ١٩٥٩، انقلاب علي حامد ويعقوب كبيدة. 

قرظ الحزب الشيوعي محاولة الانقلاب وخلد ذكر الضباط الخمسة الذي قضت المحكمة العسكرية بإعدامهم، علي حامد ويعقوب كبيدة وعبد البديع علي كرار والصادق محمد الحسن وعبد الحميد عبد الماجد أبطالا «أثبتوا أن العزة الوطنية ما زالت كامنة في صدور شبابنا الذي يحمل السلاح» وذكر من قضت المحكمة بسجنهم من الضباط عبد الرحمن كبيدة ومحمد محجوب عثمان (شقيق المرحوم عبد الخالق محجوب) وعبد الله الطاهر بكر (شقيق الرشيد الطاهر بكر المحامي) ومحمد جبارة، وكذلك والمدني الوحيد وسطهم مراقب «الإخوان المسلمين» الرشيد الطاهر بكر (بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني بتاريخ ٣ ديسمبر ١٩٥٩ «لقد حفرت حكومة الخيانة قبرها»، ضمن كتاب الحزب الشيوعي السوداني «ثورة شعب: ست سنوات من النضال ضد الحكم العسكري الرجعي»، الخرطوم، ١٩٦٥، ص ٢١٥-٢١٦). هذا وأم المرحوم محجوب عبيد من «الاتجاه الإسلامي» الطلاب في جامعة الخرطوم للصلاة على الضباط الشهداء صلاة الغائب وشنت صحيفة الاتجاه الإسلامي هجوما شديدا على نظام عبود ورث منه محررها عبد الله حسن أحمد فصلا نهائيا من الجامعة، وانتقلت القيادة في صفوف «الإخوان المسلمين» من الرشيد الطاهر بكر السجين إلى صادق عبد الله عبد الماجد الذي انضم بجماعته إلى «الجبهة الوطنية» المناوئة لنظام عبود إلى جانب اسماعيل الأزهري عن الوطني الاتحادي والسيد الصديق وعبد الله خليل عن حزب الأمة وعبد الخالق محجوب وأحمد سليمان عن الحزب الشيوعي. 

حررت ثورة أكتوبر ١٩٦٤ التي خاض غمارها الدكتور حسن الترابي من موقعه في أروقة جامعة الخرطوم تنظيم «الإخوان المسلمين» من كبت نظام نوفمبر وصعدت به إلى موقع القيادة الفردية أمينا عاما بدلا عن القيادة الجماعية التي كان تبناها مؤتمر شورى الإخوان في ١٩٦٢. تأكد هذا التحول بإقرار بعدي من شورى الإخوان في نوفمبر ١٩٦٤ صادق على ما فرضته وقائع الأحداث وأقر عنوان «جبهة الميثاق الإسلامي» كصيغة جديدة لنشاطهم السياسي قام عليها كذلك الدكتور حسن الترابي أمينا عاما في اجتماع انعقد بتاريخ ٦ ديسمبر ١٩٦٤ الذي صدر عنه في فبراير ١٩٦٥ بيانا يقول: «بما أن "الإخوان المسلمين"قد صهروا نشاطهم السياسي في جبهة الميثاق الإسلامي، فستكون البيانات والمواقف السياسية بعد اليوم صادرة عن الجبهة». حققت الجبهة فتحها الديمقراطي الأول في انتخابات أبريل ١٩٦٥ ففاز مرشحوها في خمسة دوائر إقليمية، الطاهر الطيب بدر في ريفي الخرطوم الجنوبية والرشيد الطاهر بكر في القضارف الوسطى ومحمد محمد صادق الكاروري في مروي الجنوبية وسليمان مصطفى أبكر في كتم الغربية وموسى حسين ضرار في طوكر الجنوبية هذا إلى جانب مرشحين إثنين في دوائر الخريجين، حسن عبد الله الترابي في رأس قائمة الفائزين ومحمد يوسف في ذيلها وبينهما كواكب الشيوعيين. أما في انتخابات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم فنال الإخوان ٤٠٪ من الأصوات والشيوعيون والديمقراطيون ٤٥٪ من الأصوات والقوى التقليدية، الأمة والاتحاديين، ١٥٪ من الأصوات. جاءت مكاسب الإخوان الانتخابية ترجمة لمجهود منظم تحولت به فئة الطلاب الذين راموا أن يعيشوا الإسلام واقعة سياسية إلى حركة اجتماعية ذات نفوذ في الحركة النسوية واتحادات المهنيين والحركة العمالية ومنظمات الشباب وبطبيعة الحال في منبعها الأول حركة الطلاب والخريجين ثم في الخدمة المدنية ودولاب التجارة. 

لم تسلم جماعة «الإخوان» بطبيعة الحال من ديالكتيك نموها هذا، فتصاعد التناقض بين تيارين في باطنها، تيار التربية والتقوى الذاتية وتيار الحركة والعمل السياسي، وتصالح التياران ظاهرا بأن تولى مالك بدري ثم محمد صالح عمر عبء التربية والدكتور حسن الترابي مسؤولية العمل السياسي. ضمد مؤتمر الإخوان في ١٩٦٩ على هذا الشقاق في الممارسة والأيديولوجيا بأن جمع الأمانتين مرة أخرى، أمانة الإخوان وأمانة الجبهة، عند الدكتور حسن الترابي، ما كان في واقع الأمر انتصارا نهائيا لتيار السياسة على تيار التربية. انسحب على إثر هذه الهزيمة أقطاب التيار المهزوم، جعفر شيخ إدريس ومالك بدري وآخرون، إلى صور من التقوى الفردية غير فقه الدكتور الترابي في خوض «ابتلاء» الحداثة بأدواتها العلمانية، "المناهج العقلية الغربية"بعبارة الأدب الإسلامي، تكنولوجيا الحشد السياسي والتحالف والمكيدة والانقلاب والعنف، خطة استراتيجية وتكتيكات مرحلية. وهي الأدوات التي صرعت بها الحركة الإسلامية خصومها واحدا تلو الآخر حتى بلغت السلطان في ١٩٨٩ وانشق صفها بفتنته في المفاصلة بين «القصر» و«المنشية» في ١٩٩٩ وتنازع عناصرها على السلطة والثروة وقسمتيهما بالنار الحربية في تمرد «العدل والمساواة» في ٢٠٠٣. ثم ثار عليها الناس آخر الأمر جماعة في ٢٠١٨/٢٠١٩، وقد جرت عليها سنة التاريخ وتحولت من «فتية آمنوا بربهم» إلى طبقة اجتماعية بعبارة الدكتور غازي صلاح الدين قوامها زمر من رأس المال التجاري تجتمع عند حوض الدولار الجمركي، الدولار الجمركي الذي قال علي كرتي صرع «الإنقاذ» وجاب آخرها. 

لذلك، حق للقارئة التساؤل من استهدفت وزارة الخزانة الأميركية بإعلانها الأخير تصنيف جماعة «الإخوان المسلمين» في السودان التي قالت «تتألف من الحركة الإسلامية وجناحها المسلح لواء البراء بن مالك» جماعة إرهابية؟ وعلى أي صيغة من صيغ هذه الحركة الاجتماعية وأي درجة من درجات الصلة والولاء وعلى أي مرحلة من مراحل تطورها ينطبق هذا النعت بالإرهاب؟ أم يجري بتحديد الكل كما في الدعاية الإماراتية المعاصرة ضد «الإخوان المسلمين» بغير زمان ومكان، كل الإخوان في كل عصر وأوان، أو كما جرى "قانون النشاط الهدام"الذي سلخه المستعمرين الانجليز من كتاب تجاربهم القمعية الواسعة لكبت خطر التحرر الوطني بوسيلة شيوعية. وهل كانت «الحركة الإسلامية» على الدوام إرهابية أم جد عليها؟ كل كانت كذلك وقتما تعاونت ما استطاعت مع واشنطن في «الحرب على الإرهاب»، واستقبل أقطاب وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في أبريل ٢٠٠٥ مدير جهاز الأمن صلاح عبد الله قوش لمكافأة السودان على حسن أداءه في القبض على متهمين بالإرهاب والإبلاغ بما عنده من معلومات عن «القاعدة» (نيويورك تايمز، ١٨ يونيو ٢٠٠٥).  هل كان ذلك وجه الحركة الإرهابي؟ إرهاب إلا خط وخطين؟ أم تطرأ هذه الإرهابية عند اللزوم؟ الثابت أن نساء ورجالا عرفوا عنف دولة الحركة الإسلامية وصاغ حيواتهم ومماتهم جابهوا ظلمها وتعسفها عبر سنين حكمها الطويلة بقوة وبحكمة كذلك دون أن ينهد لهم ركن بمساعدة صديق في «الخزانة الأميركية» وصديق آخر في أبي ظبي فظلوا في صف أهلهم، سجن سجن غرامة غرامة، وتعففوا من الصف ذاك، صف «شاهد الزور» بعبارة المرحوم محمد إبراهيم نقد. 

 

 


ليس من شيء يبرر قصف شعبنا

$
0
0

 كتبت السينمائية الإيرانية مريم تفكري (مواليد ١٩٨٧) خطابا حارا إلى معلمها المخرج الإيراني الكبير محسن مخملباف (مواليد ١٩٥٧) تلومه فيها لوما شديد البأس والحذر في آن على تنكبه طريق الرشاد بتوقيعه على خطاب يحفز فيه الملك دونالد على رجم إيران ما استطاع بالآلة الحربية بين يديه. وجاءت تفكري بعبارة سديدة في «العيب»، عيب شاهد الزور الذي شرحه باستفاضة المرحوم محمد إبراهيم نقد في كلمته العظيمة تلك، وهذا تعريب خطابها لمن يتزكى، فهو مما يصح في غير موضعه: 

عزيزي محسن مخملباف، 

مضت عشرة أعوام منذ التقينا آخر مرة. لا أعرف، هل تذكرني؟ لا أكتب إليك كطالبة سابقة، لكن كزميلة في الوطنية. قرأت خطابك السديد إلى ريزا بهلوي وعنت لي ترجمته ونشره في موقع ما. أعطاني خطابك الأمل في وقت كان فيه العديد من الفنانين والمشاهير الإيرانيين يكتمون دعمهم لبهلوي خلف حجاب من «الحزن» وهم يسطون على صوت المعاناة لتبرير الحرب والتدخل الأجنبي. 

لكن اختلط علي الأمر لاحقا وأنا أقرا الخطاب المشترك الذي مهرته بتوقيعك إلى رئيس الولايات المتحدة الأميركية. شق علي أن أفهم كيف لمن كتب الخطاب الأول أن يوقع على الخطاب الثاني. أعرض عليك هذه المسألة من باب الهم المشترك وليس من باب الحكم عليك. فالمسؤولية الأخلاقية عن كل ما نقول وكل ما نوقع عليه أثقل وأعظم في وقت يمكن استغلال كل كلمة وكل توقيع لتبرير التدخل العسكري الأجنبي. 

كتبت في خطابك إلى ريزا بهلوي: "لا تنسى أن مُلك والدك وجدك كان حصيلة انقلابات مدعومة من الخارج، وليس اختيار الشعب."أتساءل كيف يمكن أن تدين التدخل الأميركي في التاريخ الإيراني ثم تستنجد بذات القوة الأميركية لغرض التدخل الأجنبي؟ 

لا أعرف إن كنت حقا تؤمن بما وقعت عليه، بالذات ولست من كتبه. هل يصح أنك وقعت على هذا الخطاب تحت ضغط من هم حواليك؟ وقد جئت على ذكر هذا الضغط في خطابك نمط الضغط الذي نراه في كل مكان الآن، ضغط شديد قوامه الفحش والتهديد. إن كان من شيء تعلمته من تاريخ بلادنا فهو أنه لا يجوز أن نخشى تحدي الفاشية حتى وإن فازت بدعم الأغلبية. وذلك كذلك، لا يمكن القول إن معظم الناس في إيران يرحبون بالتدخل الأجنبي. وحتى إن كان الأمر كذلك، لن أتردد في الصدوع بمعارضة هذا التدخل بمثل ما صدع المعارضون في الماضي قبل الثورة الإيرانية وبعدها بكلمة «لا» للجمهورية الإسلامية رغم الدعم الغالب لها. 

اعتقل جهار الساڤاك والدي وحقق معه، كما اعتقلك وحقق معك. لكن والدي لم يتعرض للتعذيب في سجون الساڤاك كما حدث لك. لقد تعرض للتعذيب في سجون الجمهورية الإسلامية. تم إعدام عمي في سجن مدينة أهواز في ثمانينات القرن الماضي. وأنا تم اعتقالي أكثر من مرة وتمت إساءة معاملتي تحت نير ذات النظام. أقول هذه الأمور تصديقا لقولك إنك لا تنظر إلى بهلوي عبر عدسة الكراهية والجروح القديمة، فكرهي للجمهورية الإسلامية لم يعميني كذلك. 

لا أنكر جرائم النظام السابق كما لا أنكر جرائم النظام القائم. وأقف ضد كل صورة من صور الفاشية، غض النظر عن مصدرها والوعود التي تطلقها، حتى وإن كانت تعد بتدمير المعذبين الذي تولوا تعذيب أهلنا. وفي هذا الخصوص، لا حصانة لأي قوة من النقد والمسؤولية، ويشمل هذا المبدأ الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. 

أنت لا بد عليم بالجرائم والإبادات الجماعية التي ارتكبتها القوى الدولية خلال التاريخ. لكن، لا نحتاج أن نوغل في الماضي. ليس إلا قليل من الناس من لا دراية له بالإبادة الجماعية الدائرة في غزة خلال العامين والنصف الماضيين. لا أخاطب من يتغاضون بقصد عن هذه المأساة المصنوعة من باب اللامبالاة أو العنصرية المعادية للعرب أو المصلحة الذاتية وما إلى ذلك. سؤالي موجه إلى البقية: كيف يتسنى أن نسأل "العون"من مرتكبي هذه الفظائع ومن يمكّن لهم. أوضح التاريخ مرة والأخرى أن حياة البشر بالنسبة للولايات المتحدة ليست موضوعا للتعاطف وإنما تكأة في حسابات الجغرافية السياسية. 

كيف يمكن للمرء أن يدين الانقلاب المدعوم أميركيا في إيران ويطلب في ذات الوقت من ذات القوة أن تتدخل في وطنه مرة أخرى؟ كيف يمكن للمرء أن يوقع على خطاب يدعو إلى إلقاء القنابل على أهالينا وأصدقاءنا وشعبنا، بل ويطلب من ذات القوة العون وكان عونها في يونيو ٢٠٢٥ قتل إزهاق أكثر من ألف نفس. الأسئلة كثيرة هذه الأيام والأجوبة قليلة. لكن الثابت عندي، ليس من شيء يبرر قصف شعبنا. 

 

مع الاحترام، 

مريم

فبراير ٢٠٢٦


مع نُقد: زقاقنا يفتح في أزقّـة غزة

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٦ بتاريخ ٢٦ مارس ٢٠٢٦. 

غادَر الفانية في مثل هذا الأسبوع عام 2012، يوم 22 مارس، المرحوم محمد إبراهيم نُقد (1930-2012)، «أنضر الأشجار السودانية في بستان اليسار الماركسي» بعبارة صفيّه المرحوم كمال الجزولي. قال عنه المرحوم كمال في آخر مرثية طويلة: «رحل نُقد، والموت حقّ، دون أن يرى أمنيته الكبرى تتحقّق بأن ترفرف رايات الاشتراكية منتصرة بالديموقراطية التعدّدية، وبالاختيار الشعبي الحر، كمنهج حياة وحكم في السودان». لكن، كانت للمرحوم نُقد أماني أقلّ طموحاً من انتصار الاشتراكية «المحتوم». وقد رعى هذه الأماني خطّةً، وعاشها قضيةً، ومات على محجّتها دون تذبذب، وبعضها من أماني الجيل الذي جاء إلى النظرية الماركسية خريطةً للتحرّر الوطني، تقوم بها أوطانٌ لأهلها ويُرغَم بها أنف الاستعمار في صوره المتعدّدة.

وتجد القارئةُ شهادةَ هذا الجيل على نفسه في مثل بيان الدكتور فاروق محمد إبراهيم (مواليد 1931) لقصة بَلشَفته؛ تجنيده في صفوف حزب الطبقة العاملة، وهو طالب في الثانوية، «مراهق» بتبويب الرأسمالية المتأخّرة للأعمار، مثله مثل الجزائرية «فضّة» التي «لم تبلغ سنّ العشرين واختارت جيش التحرير». فصّل الدكتور فاروق في روحية هذا «الانخراط»، بعبارة اليوم، في لقاء على صفحات مجلة «الشيوعي»، مجلة الحزب الشيوعي السوداني النظرية، يستحق الاقتباس مطوّلاً:

«كان ذلك في منتصف عام 1948 وأنا في السنة الثالثة ثانوي إذ قابلني أنور علي عثمان (طبيب بالقوات المسلحة الآن) وكان ابن دفعتي. لا زلتُ أذكر منظرنا في رأس الزقاق المؤدّي إلى منزلنا وهو يناقشني وينهمر المطر ونحن نتناقش محتمين منها بالحائط وينتهي المطر ونحن نتناقش. تحدّث أنور علي عثمان أنّ حزب الأمة ميؤوس منه وناس أزهري ميؤوس منهم كذلك وأصبحوا تبعاً للسياسة المصرية وأنّ مؤتمر الشباب هو البديل. تحدّث عن الجلاء وعن وادي النيل والدفاع عن الطبقات المظلومة وعن الدفاع المشترك. ولكن كان بالمناقشة كلمات كثيرة جداً مثل البرجوازية والبروليتارية وأساساً كانت المناقشة في اتجاه انضمامي للحركة السودانية للتحرّر الوطني (حستو) وأنّ القضية عالمية. لم يذكر أنور كلمة الشيوعية ولكنْ ذكر كلمة الاشتراكية. عرفتُ أن زميلي فاروق مصطفى مكاوي حدث له نفس الشيء، ومن قبل طه محمد طه. وجندنا في نفس الوقت. حدث ذلك في الإجازة الصيفية وبعد مظاهرة مؤتمر الشباب المشهورة وعندما رجعنا وادي سيدنا ضمنا في وحدتين للتنظيم» («الشيوعي»، ع 155، سبتمبر 1988، ص 44-45).

وللقارئة أن تقف عند هذا «الشغف»، بعبارة معاصرة، الذي اتصل به نقاش المراهقَيْن أنور وفاروق عند رأس الزقاق والمطر كابّي لا يشغلهما شاغل عن مطلب «الحرية». وقد بانت لهما «الحريةُ» ضرورةً تحتّم على من في عمرهما النضير السَّعيَ ولو بقشّة لمسألة «عالمية» لا ينحصرُ مداها في مؤامرات حزب الأمة وناس الأزهري وإنما تمتد لتبلغ:

ثورة في كوريا

وجحيم وقتال

في بلاد نائية

ليتها حول القنال

انقدحت هذه «الروحية» في فؤادَي المراهقَيْن أنور وفاروق من مصدر جديد بحقّ، فبعضها من الصورة التي احتفظ بها الدكتور فاروق لشيوعيين أغراب في مدن السودان الصغيرة خارج دوائر الخريجين؛ فقد أبَّد الدكتور فاروق، على سبيل المثال، ذِكْر مبارك الحاج الحدّاد، صاحب ورشة تصنيع الآلات الزراعية في الدويم وزميله جلال الساعاتي؛ عَلَمَيْن لهذه الشيوعية الغرَّاء في الدويم الناعسة. كتب الدكتور فاروق في مسودة مذكراته «البحث عن معنى حياة: سيرة ذاتية»: «تطابقت في مخيلتي صورة مبارك المفتول الجسم البارز العضلات القويّ التقاطيع مع صورة ستاخانوف، رمز تصنيع الاتحاد السوڤييتي، الذي طالعَتْنا صورته مع المطرقة والسندان في كلّ الأدبيات والمطبوعات السوڤييتية». مبارك يا مَكَنة! وتوحَّدَت عند هذا المَكَنة «العالمية» و«المحلية» إذا صحّ التعبير، البُعد الكوني الذي يشرق من دقيق «الانخراط» في قضية محلية فيقوم قاعدةً قويمة، وهو البُعد الذي يقوم به ميزان القسط ويُبهر به الكون الكبير وقد انطوى في جرم صغير. من ذلك حجّة مبارك، بحسب الدكتور فاروق، على قريب الله وحامد الأنصاري وهما في أول السكة الخطرة: «مكانك انت وأخوك حامد مع أهلكم العُمَراب الجزّارين هنا، مش مع العُمَراب الحكّام في الخرطوم عشان ما «يسيّروكم» معاهم. وردّ عليه قريب الله: العُمَراب الجزّارين هنا برضهم طبقات، مش حاجة واحدة، الجزّارين الشرعيين والجزّارين «كيري». جزّارين اللحمة فوق وجزّارين الكرشة تحت. ونحن أولاد الجزّارين أدنى الطبقات. كتفي انهدّ من الطاولة وصوتي بحّ من المناداة في أزقة الدويم: طايوق، طايوق، طايوق. لكن برضه جمعنا ملاليم المصروف، وأنا دلوقت بعرف أي خالة وعمّة وحبوبة في الدويم. إذن، قال مبارك، مكانك معنا في حزب الطبقة العاملة».

انتهى اجتماع التجنيد بغناء جماعي لأغنية مجهولة المصدر:

أدونا حقوقنا، أدونا أدونا

يا الجنّنتونا

أدونا، أدونا

مجلس تشريعي سبب تصديعي

الثورة الثورة، نظام شيوعي

ستالين أبونا، ولينين أخونا

أدونا أدونا

يا الجننتونا

الثورة الثورة، نظام شيوعي.

لكن، لا تُغْني «الروحية»، وإن صَفَت بمثل هذا الرجز والأمل، عن الاستراتيجية والتكتيك، وهما عدّة «الثوري» على خلاف «الكلمنجي». واجهت شيوعية مبارك التي تصدح باسم لينين وستالين وتنادي «الثورة، الثورة»، في ليلة أفريقية على ضفة النيل الأبيض الغربية، امتحاناً عسيراً في العامين 1947 و1948. ذلك حين وافق الاتحاد السوڤييتي العظيم، الدولة الكبرى ودائمة العضوية في مجلس الأمن، في مخالفةٍ للمبدأ الكوني في «الأممية» ومقارعة «الاستعمار»، المبدأ التي هاجت له نفس فاروق المراهق، على خطة تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع تحديد منطقة دولية حول القدس بحسب تقرير لجنة بيل (1937) ولجنة وُودهِد (1938)، القرار الذي مهّد لقيام دولة إسرائيل. أعقب ذلك إعلان الاتحاد السوڤييتي في 17 مايو 1948 الاعتراف بدولة إسرائيل بعد ثلاثة أيام من إعلان ديڤيد بن غوريون، الرئيس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية ومدير الوكالة اليهودية في 14 مايو، قيامَ دولة يهودية في فلسطين اسمها «إسرائيل»، الإعلان الذي مهره 39 صهيونياً بتوقيعاتهم، وكلّهم من يهود شرق أوروبا وروسيا، على سبيل المثال مواليد كوبيس في روسيا البيضاء وبولتافا في أوكرانيا وفيلنيوس في ليتوانيا وبرلين في ألمانيا وريبنيتسا في روسيا وماركولشتي في مولدافيا، لا يُستثنى منهم سوى بخور شالوم شيطريت الفلسطيني المولود في طبريا.

وقَعَ قرار التقسيم على رؤوس الأحزاب الشيوعية العربية كالصاعقة، وانفرطت به حجّة كلّ من استقبَل القميص السوڤييتي أعمى بغير مقاس، واختار «تبرير» قرار «ستالين أبونا» على حساب مبدأ الكونية. طمَّت بطونٌ وطنية ساعتها من الأممية والشيوعية والاتحاد السوڤييتي، منها بطن المرحوم عبد الماجد أبو حسبو الذي فارَق درب الحركة الديمقراطية للتحرّر الوطني «حدتو»، أخت الحركة السودانية للتحرّر الوطني «حستو»، اشمئزازاً من تبعية الشيوعيين المصريين للقرار السوڤييتي. وكان عبد الماجد من الأبكار الذين جاء بهم إلى هذه السكّة عبده دهب حسنين في مصر: «… فوجئنا بأنّ الحزب الشيوعي في مصر يؤيّد التقسيم ويطلب مِنَّا تأييد ذلك. وعندما استنكرنا هذا الأمر قيل لنا بأنه قد «نزل خط» بتأييد التقسيم وأن الاتحاد السوڤييتي وافق على ذلك». وكان عبد الماجد وقتها عضواً في اللجنة المركزية لـ «حدتو» فخرج عليها مغاضباً بعد نقاش مع هنري كورييل سأله فيه: «كيف تطلبون منا أن نؤيّد التقسيم وأنتم تعلمون خطورة ذلك علينا، لأن مجتمعاتنا ستنظر إلينا على أننا خونة، وأنا عملاء للشيوعية الدولية وبالتالي ستعزلنا عنها» (عبد الماجد أبو حسبو، «جانب من تاريخ الحركة الوطنية في السودان»، الجزء الأول، دار صنب للنشر والتوزيع، الخرطوم، 1987 ص 106).

لكنّ المرحوم محمد إبراهيم نُقد اختار مقاس قميصه بنفسه، لذلك سارَع إلى لقاء خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» وقتها إبان زيارة الأخير إلى الخرطوم في فبراير 2009. وقال المرحوم محمد للصحافيين بعدها، إنّ اللقاء بين الحزب الشيوعي وحركة حماس مستمر خلال زيارات مشعل الماضية إلى السودان، إلا أنّ هذا اللقاء قد جاء في ظل الاشتباك الحقيقي للغزو الصهيوني على أرض فلسطين. وأضاف أنّ مستوى التضامن مع الشعب الفلسطيني يستحقُّ أن يرتفع من مُجرَّد التضامن التقليدي إلى تضامن أكثر فاعلية بالاتفاق مع الثورة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية (القدس العربي، 9 فبراير 2009). وجاءت زيارة مشعل إلى الخرطوم بعد نهاية الحملة العسكرية الصهيونية على القطاع في الفترة 17 ديسمبر 2008 إلى 18 يناير 2009، الحملة التي أطلق عليها جيش الدفاع الإسرائيلي «عملية الرصاص المصبوب» وقالت المقاومة الفلسطينية «معركة الفرقان». لم يرتبك المرحوم محمد بإخوانية البشير في الحكم أو إخوانية الترابي في المعارضة أو حتى إخوانية المال بيد عوض الجاز؛ فهو، لله دَرُّه، جاء إلى شغل «الحرية» كفاروق وأنور تحت المطر لذات الحرية وعينها، أو بعبارة المرحوم عبد الخالق محجوب: «إنّ تجربتي البسيطة توضح أنني لم أتخذ الثقافة الماركسية لأنني كنت باحثاً في الأديان، ولكن لأنني كنتُ وما زلت أتمنى لبلادي التحرّر من النفوذ الأجنبي أتمنى وأسعى لاستقلال بلادي وإنهاء الظروف التي فُرضت علينا منذ 1898».

مع نُقد: فاضربْ بِعَزمِك مفردا

$
0
0

 نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٧ بتاريخ ٢ أبريل ٢٠٢٦. 

لم يكن المرحوم محمد إبراهيم نقد (1930-2012) كاتباً غزيراً لكنه كان كاتباً كثيفاً إذا صحَّ التعبير، فالذي طرحه للقارئة منشوراً يعزّ في الميزان على الصحف المسوَّدة الطوال. ومثلما كان كثيفَ التأليف كان بطيئَهُ حتى أنّ بعضَ شُغلِه امتدَّ في تكوينه عبر أكثر من عقد من الزمان. كدأبِ الشيوعيّ بحقّ، لم يستعجل المرحوم محمد النتائجَ على الإطلاق، وكان من حصيلة صبره الأسطوريّ أن وجدَت بعضُ أفكاره الأوّلية حول مسألةٍ حادثةٍ تصديقَها في وقائعَ قامت تباعاً في التاريخ اللاحق. ومن ذلك «أطروحةٌ»، بعبارة محرّرة «البيان» الإماراتية، نشأتْ أوّل ما نشأت في تسعينيات القرن الماضي، ولم تجد طريقها إلى النشر لعموم القراء حتى العام 2003، مقالة بعنوان «المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحوّل إلى شاهد زور»، جريدة «البيان»، 14 مايو 2003.

استوحى المرحوم محمد من أدب المسرحي الكبير جون باتيست بوكلان ولقبه موليير (1622-1673)، مؤلّف مسرحية «البرجوازي النبيل» (وعُرضت لأول مرة في 1670)، صورةَ «مُستجدّ النعمة» الذي قفز سريعاً في السلّم الاجتماعي ووجد نفسه في صحبة راقية لم يستعد لها؛ صحبة النبل والعلم الأدب إلى جانب المال الغزير. وهي صورة تتجدّد في الأدب مع كلّ انقلاب طبقي. عند موليير، أثرى المسيو جوردان، متواضع الأصل، مُستجدّ النعمة، بمال أبيه في ساعة الانقلاب من سيادة الأرستقراطية إلى سيادة البرجوازية. وفي أدبنا الشفاهيّ، أثرى «أب زَهاَنة»، نؤوم الضّحى، مستجدّ النعمة، بمال أبيه فأفسد فيه في ساعة الانقلاب من سلطان الفرسان الأبطال من سنخ «البِشِيل فوق الدّقر ما بميل» إلى سيادة السماسرة أصحاب «البرادو» الذين استطال عصرُهم حتى دولار على كرتي الجمركي وبنك الخليج لأصحابه آل دقلو.

أحبّ المسيو جوردان، «مستجدّ النعمة» في مسرحية موليير، أن يعيد حياكة نفسه على نمط «النبيل»، فأسرف في اللبس الجديد شديد الزينة واستأجر من يعلّمه فنون النبلاء؛ رياضات الفروسية والرقص والموسيقى وكذلك الأدب والفلسفة. لكنْ تعثَّرَ تعليمُه بعصيان المحتوى على الشكل، فأصبح موضوعاً لسخرية معلّميه، «المثقّفاتية» بأجر، وصار نكتةً جارية. واختار المرحوم محمد من هُزْء موليير بهذه الشخصية سرورَ المسيو جوردان بجهله حينما طرَح عليه معلّمُه أنّ الأدب إما شِعر أو نثر، فاستخلَص المسيو جوردان من هذا التصنيف بكلّ حبور، إذاً، أنه لطالما كان يتحدّث نثراً ولا يدري، وفاتته ماهية الأدب!

جاء المرحوم محمد بهذه الصورة للإحاطة بما طرحته أيديولوجيا نهاية التاريخ أوّل استبدادها، وقد تهاوى الاتحاد السوڤييتي، على شعوب الدنيا، إذ قذَفَت في نفوس «المثقّفاتية» مفهوماً جديداً للعمل الجماعي. روَّجت هذه الأيديولوجيا أنّ نماذج العمل الجماعي التي اخترعها الناس وأحسنوها منذ ثورة 1924؛ الجمعية الأدبية والنقابة والنادي والاتحاد المهني ولجنة التضامن وهلمّجَرّا، جميعها يحتويها مفهوم «المجتمع المدني» وعبارة «المنظمة غير الحكومية». وكتب المرحوم محمد، لله دَرُّه: «لم تَحْوِنا دهشةٌ ولم يشلّ تفكيرنا ارتباك»، وهي صياغة لـ«الاستقلال» لا تتأتَّى إلا لمِثله ممّن أخَذَ كتابَه بقوّة على صراط مستقيم.

تساءل المرحوم محمد، مستعيناً بشكسبير، عن مغزى هذا الاسم؛ «المجتمع المدني»، الذي أرادت به عصا أيديولوجيا نهاية التاريخ أن تُجهض كلَّ صورةٍ للنضال سوى التي تكرّ على مسبحتها، ونفذ مباشرةً إلى جوهر المسألة بغير تردُّد وبغير تعصُّب، إنما بحقّ مُبين، فكتب: نشأت هذه المنظمات «وتكاثرت كحلقاتٍ في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة ومموِّلة». والعِبرة أنه، بينما قام النادي والاتحاد وقامت النقابة والرابطة ولجنة التضامن في تربة اجتماعية وطنية محلية؛ «حاضنة» بعبارة جارية تغذِّيها بالمال والثقافة والعناصر البشرية، وتشكمها بالجَرْح والتعديل والتقويم، وتحاسبها على التقصير والمغامرة فتحيا وتموت بما بينها وهذه التربة من رابطةٍ «ديمقراطية» قام المجتمع المدني الجديد، هذا «الكائن العجيب» بلفظ المرحوم محمد، في حلٍّ من هذه الآزِرَة؛ فالكيبل الذي يمدُّه بالحياة يتغذّى من مواردَ غير؛ موارد شبكة دولية هي في الحقيقة صِناعةٌ بحالها، «مشروع حضاري» بعبارة التسعينيات، أُسُّها وقاعدتُها الهيمنة الإمبريالية وإنْ تستَّرَت. واستخلص المرحوم محمد، لسلامة هذا «الكائن العجيب»، ممّا قرأ شروطاً ثلاثة، فكتب: قد تصحّ منظمات المجتمع المدني وتنجو من فخّ التبعية شرط «ألا تصبح استنساخاً شائهاً من الأصل في مجتمعات المنشأ أو فرعاً تابعاً وخاضعاً أو جهازَ استقبال وإرسال». والحقّ، إنها وقعت، إلا من رحم ربّي، في هذا الفخّ «جُمبُلغ».

لكنْ، لم يَقبل المرحوم محمد أن يترك هذا الفخَّ مفتوحاً كنقيصةٍ ذاتيةٍ وخلاص. ووَصَل هذا الانقلابَ، من نموذجِ «المناضل» الذي عاشه هو نفسه، واجباً مستمرّاً عبر عقود من الزمان، من أوّل شبابه حتى شيخوخته؛ واجب لا يَقبلُ فيه مَسْحَ شنبٍ بغير «المُقوِّي» من حلال الحزب الشيوعي، إلى نموذجِ «الناشط» الذي يفطر على مال السفارة الهولندية، ويتغدَّى بمال الورشة البريطانية، ويتعشّى في لوكاندة «بيت الحرية» الأمريكي، بتحوُّلٍ في الاقتصاد السياسيّ من نموذج الدولة الراعية إلى اقتصاد «الشَّلِب» بعقيدة الليبرالية الجديدة. خلَّف هذا التحوُّل جيشاً من «الخاسرين» لا مكانَ لمهاراتهم في الدعاية والترويج والتنظيم في سوق العمل، أكان قطاعاً عاماً أم خاصاً، وصار لهم «المجتمع المدني» في واقع الأمر سوقاً للعمل وجغرافيا كونيةً لكسب العيش، ونَضِجَ شُغلهم بنَسْخ مهارات التسويق السلعي، «اشتري اثنين واحصل على ثلاثة مجّاناً»، في مجال الدعاية الأيديولوجية والقضايا الفئوية الهوياتيّة، فالخير كلّه في مثليّة أفريقية سوداء، حقوق أطفال، حقوق إنسان، حقوق حيوان، صحافة مُناصَرة، علينا جاي، ورشة، سمنار، مؤتمر!

عاد المرحوم محمد، في آخر كلمته، إلى مفهومٍ تاريخيٍّ للمجتمع المدني من المدرسة الماركسية يقع موقعَ «الأدب» الذي فات على المسيو جوردان إدراك كنهه: «المجتمع المدني مسرحُ كلِّ التاريخ ومصدرُه ومقوِّمٌ وأساسيّ، يستوعب التبادل والتعامل المادّي والتجاري والصناعي بين الأفراد، وفي إطار مرحلة تاريخية معيّنة من تطوّر القوى المنتجة، يعبّر عن ذاته في شكل أمّةٍ في العلاقات الدولية، وينظّم نفسه في شكل دولةٍ في الداخل. تَبلوَر مصطلح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انسلخت علاقات التملُّك في المجتمع المشترك القديم والوسيط، وبهذه الصفة ينمو المجتمع المدني مع البرجوازية، التنظيم الاجتماعي المنبثق مباشرةً من الإنتاج والتجارة، والذي يشكِّل في كلّ المراحل قاعدةَ الدولة وبقية التركيب الفوقي». فيا هنتغتون، «مجتمع مدني» بتاع فنيلتك. أدرَك الموتُ المرحوم محمد فلم يَعِش ليشهد حَجَّ ساسة الفترة الانتقالية إلى كعبة فولكر بيرتس زُمَراً، كما لم يَشهد تبذُّل منظمات «المجتمع المدني» في حضرة المبعوث الأمريكي كأنه علي عبد اللطيف. وكان أدرَكَ بفطنته النضالية أنها بهذا الكساد تُحيِّد السياسة وتغلق باب الحرية. وللقارئة أن تَنْعَم بنظرة في عقل المرحوم محمد وبراح نفسه عبر هذه «الطاقَة»:


المجتمع المدني العربي يواجه خطر التحوُّل إلى شاهد زور

محمد إبراهيم نقد


لعلَّك قرأتَ ملهاةَ «البرجوازي النبيل» للكاتب الفرنسي الساخر، موليير «1622-1673» ويجوز تعريبها «مُستجدّ النعمة». اغتنى المسيو جوردان، بطل الملهاة، ولامَسَ المجتمع المخمليّ للنبلاء وعِلْيَة القوم والأثرياء، وريحانة مجالسهم من أدباء وشعراء، فانبهَر بأحاديثهم وذَرَابة ألسنتهم وسلاسة مصطلحاتهم العصيّة على قاموسه العامّيّ العاجز عن مجاراتهم. فاستأجر معلّماً؛ معادلَ «مؤدِّب الأمير» في تراث الأرستقراطية العربية الإسلامية، أو «مثقّفاتياً». وكان الدرس الأول: يُصنَّف الأدب إلى نثر وشعر، وما لا ينضوي تحت لواء الشعر فهو نثر! فانفجَر مستجدّ النعمة ضاحكاً في حبور طفوليّ، حتى ألجمت الدهشة لسان الأستاذ، ثم أفاق من دهشته وسأل تلميذه عن دافع الضحك، فأجاب: ما كنتُ أعلم أنني ظللتُ طوال حياتي أتحدّث نثراً، حتى عندما طلبتُ من خادمي أن يُحضِر لي حذائي.

كادَ حالُنا أن يتماهى مع حال المسيو جوردان، إذ ظلَلْنا ولما يزيد على نصف قرن نتداول مصطلحات: الجمعيات الأدبية، الأندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، أندية الخرّيجين، أندية العمّال، الأحزاب السياسية، الحركة النقابية، حركات المزارعين والطلبة والنساء والشباب، اتحاد الصحفيين، اللجان الشعبية للدفاع عن الحرّيات، اللجان القومية للتضامن مع شعب مصر، كينيا، العراق، الكنغو، الروابط الأدبية في عطبرة وسنار وكوستي والأبيّض ومدني، التجمّع النقابي، التجمّع الوطني الديمقراطي، مجالس الآباء والأمهات، الروابط القبَلية والإقليمية، تضامُن قوى الريف، اتحاد الكتّاب، الجمعيات الخيرية.

لكنّا تمايَزْنا عن مُستجدّ النعمة، كوننا لم تَحْوِنا دهشةٌ ولم يشلّ تفكيرنا ارتباك، عندما قيل لنا: مصطلحاتكم، على تكاثُرها، يحيطها ويؤطّرها مفهوم أو مصطلح «المجتمع المدني، والمنظمات الطوعية غير الحكومية»!

طفقنا نستحثُّ مخزونَ الذاكرة ونستزيد من الاطِّلاع. بعضُنا التقى مصطلح «المجتمع المدني» في الوافد من مؤلَّفات المفكّر الإيطالي الماركسي، قرامشي «1891-1937» في ترجمة إنجليزية أو عربية خلال ستينيات القرن العشرين، ثمّ اتسعت الدائرة بفضل ترجمةٍ أنجزها مثقّفان سودانيان، لم يشغلهما ضجيج الصراع السياسي عن قضايا الفكر والثقافة: الراحلان هنري رياض والجنيد علي عمر ـ دار الجيل بيروت [جزء من «دفاتر السجن»، صدرت في طبعة حديثة عن دار عزة في 2003 بعنوان «الماركسية والثقافة»]. ثمّ طرق المصطلح سَمْعَنا في النصف الثاني من السبعينيات، في ثنايا ظاهرات التحوّلات السياسية والاجتماعية الجديدة في البلدان الاشتراكية، وحصراً نقابة التضامن في بولندا؛ إرهاصاً ونواةً لنشاط جماهيري قاعدي خارج الأطر التنظيمية القانونية الرسمية، ومن بعدها بيان الكتّاب في تشيكوسلوفاكيا، وأشكال جنينية في بعض جمهوريات الاتحاد السوڤييتي، ودول أخرى. تحسّست تلك التحرّكات خطاها بذكاء وحكمة، مستوعبةً تجارب الإخفاقات السابقة، فلزمت جانبَ القانون، للإفلات من عصفه وعسفه، واستعصمت بأطروحة: ما لا يمنعه القانون مباح! ثمّ أعلنت تمسُّكها بالدستور وحقّها في ممارسة حقوقها الدستورية، واستظلّت بحماية الدستور من القوانين التي تنقصه نصّاً وروحاً. لم تتّصف تلك الحركة بمصطلح «المجتمع المدني»، إنما أضفته عليها مدارس وجماعات اليسار الجديد التي تبلورت خلال ثورة الشباب العاصفة في فرنسا وغرب أوروبا في الستينيات، ثم تسرَّب إلى بعض منابر شرق أوروبا.

بصرف النظر عن المصطلح أو الاسم «Whatisinaname?»، شكسبير، «روميو وجولييت»، كانت الحركة موجاتٍ متصاعدةً من قاع المحيط الاجتماعي، متدافعةً نحو إصلاح سياسيّ اجتماعيّ شامل للتجربة الاشتراكية، وتحريرها من آثار الشمولية وانفراد حزب واحد بالسلطة، وهيمنة الدولة ومؤسّساتها على المجتمع. كان المجتمع قد عقَد عزمه أن يستعيد تمايُزَه واستقلاله عن الدولة: ما للدولة للدولة، وما للمجتمع للمجتمع! وبذات المعادلة: ما للمجتمع الاشتراكي للمجتمع الاشتراكي؛ مستقلاً عن هيمنة مؤّسسات الدولة الاشتراكية، وما للدولة الاشتراكية للدولة الاشتراكية. اشتراكية المستقبل لن تكون جديرة بالصفة، ودَعْ عنك الاسم، إنْ لم تتقيد بهذه المعادلة!

استقبَلْنا عقد التسعينيات تحت القبضة الخانقة المتخلّفة لانقلاب الجبهة القومية الإسلامية، وفَرْض الشمولية الأصولية الإسلامية، ومن يومها بدأ مصطلح «المجتمع المدني» يتمدّد حتى طبَّق الآفاق، ظاهرة أحسن تفسيرَها حسن عبد العاطي الناشط في هذا المجال في ورقة تقدَّم بها لورشة عمل جمعية بابكر بدري العلمية، ونقلَتها صحيفة «الصحافة»: «ضرورة سد الفراغ الناجم عن غياب الديمقراطية، والصحافة الحرة التي تحمي الحقوق العامة، والنقابات التي تحمي حقوق المجموعات، وغياب القوانين والمؤسسات التي تحمي حقوق الحرية الفردية، ولهذا ارتفع بشدة عدد وصوت وتأثير المنظمات العاملة في مجال حقوق الإنسان والمرأة والطفل والمجتمعات المحلية»، ثمّ تناوَل المنظمات الطوعية أو غير الحكومية، وأشار إلى أنها نشأت لسدّ الفراغ الذي نشأ نتيجة عجز الدولة والأفراد والجماعات عن تلبية احتياجاتٍ أغفلها النظام السياسي والاجتماعي في السودان. ما لم يذكره حسن، أنّ تلك المنظمات نشأت وتكاثرت كحلقات في شبكة مراكز ومؤسسات عالمية داعمة وممولة.

دلَفْنا إلى الألفية الثالثة وقد تحصَّنَّا بمصل المعرفة ضد دعوى دهشة المسيو جوردان؛ إذ لا يندهش إلا غافل! كنّا نتعامل بمصطلحات بسيطة وعفوية، ولكنها دالّة، أشبه بتعاملنا مع داء «ابْعِديلات» وظلّ الداء داءً، بعد أن سَمَّاه الطبيب «التهاب الغدة النكافية».

عُدنا للأصول والمراجع، وتابعنا كلاسيكيات أوروبا منذ القرن الثامن عشر، وأبهاء عصر التنوير الآسرة، المفعمة إنسانيةً وتفاؤلاً، وتابعنا ما تلاه من عصور، نقرأ ونقارن ونستزيد ولا نزال، حتى ندوة: «الديمقراطية في السودان» 4-6 يونيو 1993، مركز الدراسات السودانية، ومركز الأهرام، القاهرة. ثم ورشة بابكر بدري العلمية، أم درمان، 2002، ثمّ منتدى المجتمع المدني، مركز الدراسات السودانية، وصحيفة الصحافة، نوفمبر 2002، الخرطوم. ثَمَّ مَلفّ لا يزال ينفتح بقصاصات ما نُشِر وما ظلّ وما سوف يُنشَر في الصحف السودانية، عن هذا الكائن العجيب وهو بين ظهرانينا لأكثر من نصف قرن! ظلّ دفق وعطاء الدوريات ودُور النشر العربية غزيراً طوال التسعينيات: ندوة مركز الوحدة العربية «المجتمع المدني في الوطن العربي» بيروت، 1992، مجلة المستقبل، عدد 4، 1992، «نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني».

بضعة كتب من بين المراجع التي أمكن الحصول عليها، جديرة بالإشارة: الأول باللغة الإنجليزية: CivilSociety: Theory,History,ComparisonPolityPress. والثاني: دراسة نقدية، أقرب إلى رسالة الدكتوراة، وفق التقاليد الكلاسيكية الصارمة للجامعات الألمانية منذ أن كان هيغل أستاذاً وتلميذه ماركس طالباً، للمؤلف عزمي بشارة «المجتمع المدني: دراسة نقدية ـ مع إشارة للمجتمع العربي»، مركز دراسات الوحدة العربية، 1998، بيروت. يحوي الكتاب مقدمة وخمسة فصول: في حدود المفهوم وتاريخيته، من «اللفيتان» إلى يد السوق الخفية، انفصال المجتمع المدني عن الدولة لكي يعود إليها، الأمة والقومية والمجتمع المدني، واقع المجتمع المدني وفكره: حوار عربي. احتفظ د. بشارة بنظرته الناقدة، وهو يطوف بنا من توماس هوبس، إلى جون لوك، ثم ديفيد هيوم ومونتسكيو وروسو وآدم سميث وجون ستيوارت ميل ودو توكفيل، ثمّ يتوقف عند هيغل الذي لخَّصَت فلسفتُه واستوعبت ما قبله، ثم عرج على ماركس وإنجلز. وما كان له، وهو يعالج قضايا ومعضلات المجتمع المدني في القرن العشرين أن يتفادى قرامشي.

في ظهر الغلاف، لم ينشر المؤلف أو الناشر سيرة ذاتية أو صورة، إنما فقرات موحية من مدخل الكتاب، ص7: «يهدف هذا الكتاب إلى تحويل مقولة المجتمع المدني الساكنة، والتي تثير الرضى والاسترخاء عند بعضهم، والنقمة والسخط عند البعض الآخر إلى مقولة تاريخية متحركة تظهر الطاقة الكامنة فيها من خلال بحث طريق تطوّرها التاريخي وهي مفيدة في المعركة العربية من أجل الديمقراطية إذا ما تم فهمها فهماً تاريخياً، أي نقدياً، يكشف حدودها التاريخية، وبالتالي الطاقة الكامنة فيها، وضارّة بقضية الديمقراطية وتحرّر الإنسان العربي إذا ما تحوّلت إلى أداة لتحييدها سياسياً. فالمجتمع المدني دون سياسة، وخارج سياق المعركة من أجل الديمقراطية، هو عملية إجهاض.. إن الديمقراطية العربية المتعثرة في مرحلتها الراهنة في أمسِّ الحاجة إلى مفهوم المجتمع السياسي الديمقراطي، وإلا تحول المجتمع المدني العربي إلى شاهد زور يبرر الغياب عن ساحة المجتمع السياسي!».

و[الكتاب]الثالث: د. كريم أبو حلاوة، «إشكالية مفهوم المجتمع المدني ـ النشأة، التطور، التجليات»، دار الأهالي، 1998 دمشق. حدّد الكتاب منهج تعامله ودراسته لمفهوم المجتمع المدني في فقرة مفصحة: «إعادة صياغة المفهوم وتحديد مدلولاته النظرية والعملية، مما يستدعي رصد مكوناته المعرفية، والعودة إلى الفضاء الزماني الذي شهد ولادته، ورسم الملامح العامة للتطوّرات والتمايزات التي طرأت عليه في سياق صعود أوروبا البرجوازية الصناعية باقتصادها وفلسفتها والحركات والثورات الاجتماعية التي ساهمت في تكريس قطيعة متعددة الوجوه مع عالم العصور الوسطى.. التقاط الجوهري والدال في مسيرة تمتد ثلاثة قرون.. حيث تكوّن المفهوم في إطار الفلسفة الليبرالية ومفرداتها: الميثاق أو العقد الاجتماعي، مقابل نظرية الحق الإلهي للملوك التعددية السياسية مقابل الحكم المطلق الحريات العامة في الحياة والملكية والعمل والرأي والمعتقد، مقابل حرية الأقلية الارستقراطية.. حق المواطنة تجاوزاً للانتماء الضيق: ديني، مذهبي، إثني، عرقي السيادة للشعب فصل السلطات.. إلخ».

أوغل د. كريم بعيداً في تاريخ المجتمع الأوروبي وإرهاصات تحوّلاته بدءاً بالإصلاح الديني، لوثر ثمّ كالفن، ومن بعدهما إسهامات العلماء: نيوتن وهارفي وديكارت وباسكال وكيبلر وغاليليو، والثورة التي أحدثتها إسهاماتهم في دحض التصوّر المتوارث عن الكون من بطليموس والكتاب المقدس ثم إسهام ديكارت وبيكون في تأسيس الفلسفة الحديثة، وإسهام ميكافيلي وهوبس في بلورة العلوم السياسية الاجتماعية، وتابع إسهام مفكري عصر التنوير ثم توقف ملياً لدى هيغل وماركس. وما كان له أن يتخطّى قرامشي: وظلّ كريم أميناً لمنهجه والتقط الجوهري والدال في مسيرة المفهوم.

الرابع: «المجتمع المدني والصراع الاجتماعي»، ترجمة لمجموعة أوراق بحث لمفكّرين وأكاديميين من مجلات ودوريات، الناشر: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، القاهرة، 1997. في ص 14، قال مسكننر، أستاذ علوم سياسية، جامعة يورك، كندا: أصبح مفهوم المجتمع المدني شعاراً متعدّد الأغراض ليسار ما بعد الماركسية، أصبح طائفة من التبريرات للتراجع السياسي، وهناك خطورة أن يصبح ذريعة لتبرير الرأسمالية. [ومنها ورقة]إليزابيث جيلين، من حركة «الذاكرة» في الأرجنتين، وهي الحركة الواسعة التي تواصل الضغط على الحكومة للكشف عن المناضلين الذين اغتالتهم الدكتاتورية ودفنتهم في قبور مجهولة أو ألقتهم من الطائرات في عرض المحيط، والإصرار على محاكمة الجناة. وتتصدّى الحركة لدعاة «عفا الله عما سلف» كي لا يلجأ كبار قادة الجيش لتدبير انقلاب جديد حتى لا يتعرّضوا للمحاكمة. تقول جيلين [في ص 119]: الخوف من ردود فعل الجناة في الجيش، محاولة لتضميد جراح المجتمع بالنسيان والتراضي وعدم تذكّر الماضي، سفّاحو الذاكرة هم مزيِّفو المستندات والموسوعات، أمراء الصمت، إنّ ما تحتفظ به الذاكرة الجماعية هو ذلك الجزء من التاريخ الذي يمْكِنه الاندماج في نظام القيم السائد، لقد أصبحت حركة حقوق الإنسان أساساً لبناء ثقافة ديمقراطية جديدة يسود فيها التسامح وقبول التعددية وإقرار القيم الإنسانية.

تعاملت المراجع المنتقاة أعلاه تعاملاً جاداً وناقداً لظاهرة المجتمع المدني كمفهوم ومصطلح نظري مجرّد، وفي تجلياته المتعينة، في بيئة ومجتمع المنشأ، وواصلت تعاملها الناقد تجاه تجارب استنباته في بيئة مجتمعاتنا المتخلفة ونمائها المعاق. وفي الحالتين، تتجلى المصداقية في منطلقاتها ومواقفها الداعمة لمنظمات المجتمع المدني، شريطة أن لا تصبح استنساخاً شائهاً من الأصل في مجتمعات المنشأ، أو فرعاً تابعاً خاضعاً، أو جهاز استقبال وإرسال.

في ذات السياق تعامَل د. حيدر إبراهيم، مدير مركز الدراسات السودانية، مع سلبيات منظمات المجتمع المدني حديثة النشأة في السودان وفق ما جاء في مداخلته في منتدى إعلام المجتمع المدني، الصحافة، 6/11/2002: «انحرفت كثير من المنظمات عن أهدافها وأصبحت ميداناً لصراعات داخلية قائمة على أسس ذاتية وشخصية، وهي خصومات لا ديمقراطية في الأسباب ووسائل إدارة الصراع. تميزت هذه المنظمات بصراع المكانة والوجاهة والامتيازات المادية والمعنوية. وغالباً ما تتحول ديمقراطية هذه المنظمات إلى تحكم شلّة نافذة تستولي على فائض القيمة المتمثلة في المال والسفر والعلاقات العامة، إنها حضرية أو نخبوية، وهذا يعني أن العضوية محصورة وقليلة التأثير، أولويات المموِّلين قد تؤثر في تحديد الأولويات الوطنية والمحلية، بالإضافة إلى أن أساليب العمل التي يتوقّعها المموِّل حرمت المنظمات من ابتداع طرائق جديدة، الوضع الحالي لمنظمات المجتمع المدني لا يبشّر بمستقبل واعد». لم يترك د. حيدر زيادةً لمستزيد، لولا ظاهرة الغموض التي اكتنفت العديد من منظمات المجتمع المدني.

وأسطع مثال ما نشرته صحيفة «أخبار اليوم» السودانية 7/12/2002، وثيقة تحمل عنوان: إعلان كمبالا لمنبر المجتمع المدني لجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق 21- 24 نوفمبر 2002، فندق قراند إمبيريال، كمبالا، أوغندا، بدعوة واستضافة كريمة من منظمة عموم أفريقيا، وبتنظيم من منظمات العدالة الأفريقية لحقوق الإنسان، ووكالة التنمية الدولية البريطانية للتمويل، ويُعبّر المنبر عن أسفه لعدم مشاركة الحركة الشعبية ومنعها لمنظمات المجتمع المدني العاملة في مناطق سيطرتها من الحضور! شمل الإعلان 44 بنداً تحت العناوين التالية: المشاركة في السلطة، قسمة الثروة والتنمية، معالم ومبادئ الدستور، الدين والدولة، حق تقرير المصير وخيار الوحدة، حدود منطقة جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، دَور مؤسسات المجتمع المدني في تحقيق السلام.

سؤال واحد ظلّ يتبادر لذهن القارئ: من هم مندوبو المنبر وما هي المنظمات التي انتدبتهم؟ غياب الإجابة يُفسد مشاعر الابتهاج بأنّ مناطق جبال النوبة قد استعادت أمنها وعاودت منظمات المدني نشاطها خلال الفترة الثانية من اتفاقية السلام الموقَّعة بين الحركة الشعبية قطاع جبال النوبة وحكومة السودان برعاية وإشراف مراقبين دوليين، وأن منطقة جنوب النيل الأزرق على مشارف اتفاقية مماثلة!

في اقترابنا من التعرّف على المنظمات الطوعية «غير الحكومية»، أعانَتنا مجلة الإكونومست، البريطانية، عدد الأسبوع الأول من فبراير 2002 عرّبته ونشرته صحيفة «الأيام» السودانية. كادت المجلة المحافِظة الوقورة أن تنفي عن هذه المنظمات صفة «غير الحكومية»، مؤكّدة أنها تعتمد في تمويلها على الحكومات. وساقت بعض النماذج والأمثلة: منظمة الإغاثة أوكسفام، ميزانيتها لعام 1999 كانت 98 مليون جنيه إسترليني، حصلت على 24 مليون إسترليني من الحكومة البريطانية والاتحاد الأوروبي، أي ربع ميزانيتها. منظمة ورلد فشن، أكبر منظمة مسيحية غير حكومية، تسلّمت من الحكومة الأمريكية عوناً غذائياً قيمته 55 مليون دولار. منظمة أطباء بلا حدود، حائزة على جائزة نوبل، 46%من دخلها من الحكومات. من مجموع 120 منظمة غير حكومية تعتمد 111 منها كلياً على الحكومات، ثمّ تؤكد المجلة أن الدعم الحكومي يزداد، ويتناقص أو ينحسر الدعم الشعبي.

وتفسّر المجلة دوافع الدعم الحكومي بصعود أفكار وبرامج وسياسات الليبرالية الجديدة وتراجُع الدولة عن واجباتها والتزاماتها تجاه المجتمع وسياساتها في تخفيض تكاليف الإدارة، فألقت بأعبائها على المنظمات غير الحكومية. مثال ذلك، أن الحكومات أصبحت توجّه معوناتها للدول الأفريقية عبر تلك المنظمات، وأصبحت قيمة ما توزّعه من إغاثة ومعونات يفوق ما ينفقه البنك الدولي في السنة، وتتولى المنظمات الإشراف على صرف النسبة الأعلى من المعونة الأمريكية السنوية، وحجمها 117 مليون دولار. ووصفت المجلة تلك المنظمات بأنها المتعهّد أو المقاول نيابة عن الحكومات.

ووصفت المجلة بعض مناشط ومهام المنظمات غير الحكومية بما يمكن أن يوصف بالجاسوسية، مثل جمع المعلومات وكتابة التقارير التي ترفعها لحكوماتها حول أوضاع البلدان التي تعمل فيها. وبعضها يتلقّى أموالاً من الوزارات الأوروبية مقابل جمع المعلومات من بلدان بؤر التوتر والحروب. مثال ذلك، تابعت منظمة قلوبال وِتنس، الصراع في أنقولا وأعدّت تقارير مفصّلة بتمويل من وزارة الخارجية البريطانية. وتنشر منظمة «إدارة الأزمات» تقارير مفصلة ذات طبيعة تحليلية وسياسية عن البلدان التي تعمل فيها وتستفيد منها الحكومات والدبلوماسيون والصحف. تؤدّي منظمة إدارة الأزمات، مع ثلاث منظمات أخرى، وظيفة المستشار لوسطاء محادثات ماشاكوس.

المبادئ التي تحكم نشاط المنظمات غير الحكومية:

  • تزاول نشاطها في حيز محدود، وليس لها دَور سياسي مباشر.
  • لا تُعنى بتغيير الحكومات، إنما تضغط كيما تَحترم الحكومات حقوق الإنسان.
  • ممنوعة بحكم تكوينها وقانون تسجيلها من الفعل السياسي أو التغيير السياسي.
  • يلتزم العاملون فيها الحياد والابتعاد عن النشاط الحزبي أو الحزبي الصارخ.
  • يلتزم مركز المنظمة بالتمويل وكورسات التدريب، ورواتب المتفرغين.

تعريف مفهوم المجتمع المدني:

كلّ تعريف، وإن قارَبَ الإحاطة والكمال، يبقى ناقصاً، ومن ثمّ منفتحاً على المتغيّرات والمستجدات، والتي قد تتراكم في بطء كسول، أو تسارع نشط، حسب وتائر عطاء العلوم والممارسة. وقد استقر التقليد المنهجي على العودة للتعريف الأم، الكلاسيكي، ومساءلته قبل استكماله وربطه بما استجد، أو تجاوزه.

تتعامل غالبية المؤلفات والمقالات حول المجتمع المدني مع تعريف هيغل: تحتلّ مؤسسات المجتمع المدني الفضاء بين العائلة والدولة، وهي مؤسسات تلبي حاجيات الناس الاقتصادية وتؤدي مهام ضبط مساعي الناس لقضاياهم ومسائلهم الخاصة.. إلخ و«تتحفظ المؤلفات المعاصرة على انحياز هيغل للدولة باعتبارها الفكرة الإلهية كما تتجسّد على الأرض».

يليه في التداول تعريف قرامشي: تتمايز منظمات وكيانات المجتمع المدني عن الدولة [بكونها تضمّ]الاتحادات والكيانات والتنظيمات الاجتماعية الطوعية، والمؤسسات المدنية من نقابات وأحزاب والمؤسسات الثقافية والتعليمية المدنية والنوادي وغير ذلك. وينفي قرامشي صفة الحياد عن المجتمع المدني، ويعتبره ميداناً للصراع من أجل الهيمنة الفكرية والثقافية والسياسية.

لم يُفرد ماركس معالجةً خاصةً مكتملةً لمفهوم المجتمع المدني، عدا إشارات أو تصوّرات ضمن معالجة قضايا أخرى. وتنتقده بعض المؤلفات بأنه لم يخرج من عباءة تعريف أستاذه هيغل، أو أنه طابق بين المجتمع المدني والمجتمع البرجوازي، أو بينه ومفهومه لقاعدة المجتمع، وما يعلوها وينبثق عنها من هياكل التركيب العلوي أو الفوقي. وحتى لو صحّ ذلك، افتراضاً، فليس صحيحاً ولا دقيقاً الادّعاء أنّ ماركس بقي حبيس تعريف أستاذه هيغل. لكن يبدو أن منتقدي ماركس ظلّوا حبيسي الفقرة التي وردت في مؤلفه الأول المشترك مع إنجلز «الأيديولوجيا الألمانية» عام 1844، وكلاهما يتحسّس طريقه نحو منهج التفسير المادي للتاريخ. وقد أشارا في ما بعد إلى أوجه القصور في بعض استنتاجاتهما، أو عدم الدقة في صوغ بعض المفاهيم والمصطلحات، ولم يتيسّر لهما استكمال أو تصحيح مَواطن القصور، لأنّ الناشر الذي تعهّد بطباعته في أمريكا لم ينجز وعده بسبب إفلاسه أو شيء من ذلك. ما علينا! ما يُهمّنا هنا أن الفقرة الواردة في هذا الكتاب تقول:

«المجتمع المدني مسرحُ كلِّ التاريخ ومصدرُه ومقوِّمٌ وأساسيّ، يستوعب التبادل والتعامل المادّي والتجاري والصناعي بين الأفراد، وفي إطار مرحلة تاريخية معيّنة من تطوّر القوى المنتجة، يعبّر عن ذاته في شكل أمّةٍ في العلاقات الدولية، وينظّم نفسه في شكل دولةٍ في الداخل. تَبلوَر مصطلح المجتمع المدني في القرن الثامن عشر، عندما انسلخت علاقات التملُّك في المجتمع المشترك القديم والوسيط، وبهذه الصفة ينمو المجتمع المدني مع البرجوازية، التنظيم الاجتماعي المنبثق مباشرةً من الإنتاج والتجارة، والذي يشكِّل في كلّ المراحل قاعدةَ الدولة وبقية التركيب الفوقي».

في الفقرة الواردة أعلاه، يلحظ القارئ الذي اطّلع على مؤلفات ماركس وإنجلز، غموض بعض المفاهيم والمصطلحات، التي اكتمل وضوحها ومدلولها في مؤلفاتهما اللاحقة خلال نضج تفكيرهما، مثال ذلك: علاقات التملّك التي تحولت لاحقاً إلى علاقات الإنتاج. والتعامل والتبادل تحوَّلا إلى علاقات السوق، والصيغة المبهمة عن التنظيم الاجتماعي اكتمل مدلولها في مقولة التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية، كواحدة من المقولات الأساسية في منهج التفسير المادي للتاريخ.

رغم ذلك يصعب الاتفاق مع الادّعاء أنّ ماركس ظلّ حبيس تصوّر أو تعريف أستاذه هيغل، حيث بدأ التمايز أكثر وضوحاً في وقت مبكر في طروحات ماركس حول فويرباخ، 1845. فويرباخ، مثل هيغل، يتبنّى مفهوم المجتمع المدني التقليدي. ماركس يتبنّى المجتمع الإنساني، أو الإنسانية التي تتّسم بطابع اجتماعي. أما التصور الأكثر وضوحاً فقد ورَد في كتاب ماركس «انقلاب لويس بونابارت»، 1852، الفصل رقم 4، الفقرة الخامسة، حيث أسهب في ما آلت إليه الديمقراطية تحت ظلّ الانقلاب وسطوة جهاز الدولة: «تصطاد الدولة المجتمع المدني في شباكها، تكبح حركته، تضبط إيقاعه، ترشد خطاه وسلوكه وحتى واجفة الأعين، وتتحكّم في حياة الفرد بمركزية متسلّطة». ثم تَقدَّم ماركس بحزمة إصلاحات برامجية لإصلاح آثار البونابارتية، أو الشمولية، تطرح: «تبسيط إدارة الدولة، وخفض وتقليص جيش البيروقراطية للحد الأدنى، وأن يُترَك للمجتمع المدني والرأي العام خلق مَنابره الخاصة به، مستقلة عن سلطة الحكومة». هكذا، بين عام 1844 وعام 1852، استكمل ماركس استيعابه وتصوّره للمُجتمع المدني، وعبَّر عنه في الفقرة المقتطفة، بعد أن كاد يتجاهله تماماً، وهي فقرة عابرة عام 1842 في كتابه الذي انتقد فيه فلسفة هيغل الحقوقية، وفي جملة اعتراضية: ما يُسمّى بالمجتمع المدني. هذا ما كان من بقاء أو خروج ماركس من عباءة تعريف أستاذه هيغل لمفهوم المجتمع المدني. صحيح أنّ ماركس، مثله مثل مفكّري عصره، وسابقيه من مفكري عصر التنوير، اعتبَر المجتمع المدني وليد المجتمع البرجوازي، أي الرأسمالي، لأنّ المجتمعات السابقة للرأسمالية لم تعرف ظاهرة المجتمع المدني ومؤسّساته.

وما زال الصراع واختلاف وجهات النظر بين المنشغلين بأمر المجتمع المدني في زماننا هذا محتدماً حول مفهوم منظمات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية والمتوارثة في مجتمعاتنا قبل سيطرة الاستعمار وغرس العلاقات الرأسمالية وأجهزة الدولة الحديثة في مجتمعاتنا. هذه معضلات لا تُحلّ أو تُحسَم بالقطعيات الوثوقية، إنما بالدراسة المتأنّية لكل مجتمع، وما كان عليه، وما آل إليه، ثم المقارنة والمضاهاة مع مجتمعات مماثلة قبل استخلاص ما هو عام ومشترك ـ مع مراعاة أنّ كيانات سابقة للرأسمالية تُواصِل تماسكها الباطني ونسيجها الخاص، وتتعامل وتتعايش وتتأقلم مع الرأسمالية في أخذ وعطاء، مثل ذلك التكوينات القبَلية والطائفية والطرق الصوفية، أو محافظة الخلاوي على طابعها الخاص رغم استيعابها في هياكل التعليم النظامي، أو الإدارة الأهلية في السلك الإداري للدولة، أو بقاء التاج والعائلة المالكة في بلدان رأسمالية متطوّرة مثل إنجلترا، هولندا، السويد.. إلخ، وترعى العائلة المالكة العديد من منظمات المجتمع المدني!

نظل نسعى للمعرفة والاستنارة من الفكر الإنساني، الطارف والتليد، ونستزيد معرفة بما يُتاح من تجارب شعوب العالم في معاناتها الذهنية لحلّ معضلات الدولة والمجتمع المدني. لكنّ منهجنا أن ننطلق من واقع المجتمع السوداني وتجلّيات تطوّره عبر العصور، وخصائص تشكُّل دولته ومجتمعه المدني. وما قاله مونتسكيو أو توكفيل، ابن خلدون أو المقريزي، ستيورات ميل أو هيغل، ماركس أو قرامشي، ليس فصل الخطاب.

ولا نغفل أو نزّاور عن استخدام منهج التفسير المادي للتاريخ نستخدمه، ولا يستخدمنا. ولا نعوِّم مفاهيمه ومقولاته في بحر من الكلمات أو إغفال متعمَّد للمصدر، [إنما]نسعى ونجتهد علّنا نتوصّل إلى استنتاجات سليمة، وننتج معرفةً تليق بمَضاء هذا المنهج، وتسهم في تطوير أدواته وآلياته، وتلقيحها بأساليب وطرائق البحث العلمي المعاصرة والمتجدّدة، علّنا نضيء مسافةً ما من إظلام مسرح المجتمع السوداني! لا بدّ من التفاتة وفاء لمن أشعلوا ثقاب المعرفة، فأناروا الطريق أمام الإنسانية نحو الاستنارة:

آدم فيرجسون، المفكر الإسكتلندي «1717 ـ 1802»:

أوّل من سَكّ مصطلح «المجتمع المدني»، قبل 22 عاماً من الثورة الفرنسية، في كتابه: «مقالة في تاريخ المجتمع المدني» [1767]، حيث استشعر تمركز السلطات السياسية في قبضة الدولة، وخطورة الاستبداد السياسي، وكيف يحمي المجتمع نفسه من التسلّط السياسي والاستبداد.

إيمانويل كانط «1724 ـ 1802»:

«كن جريئاً في استخدام عقلك، الكسل والجبن سبب بقاء البشر في حالة اللارشد طوال حياتهم».

«يأمره الضابط: لا تفكر، بل تدرَّب على القتال!».

«يأمره المموِّل: لا تفكر، بل ادفع!».

«يأمره الكاهن: لا تفكِّر، بل قل آمين!».

«يأمره السيد: فكّر كما تشاء، لكن أطِع!».

الكواكبي «1854 ـ 1902»:

«المستبدّ لا يخاف من العلوم الصناعية. ترتعد فرائض المستبدّ من علوم الحياة، مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم، وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية والتاريخ والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تكبّر النفوس وتوسّع العقول، وتعرِّف الإنسان ما هي حقوقه، وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال».

مُزن: فِريع البانة الاشتراكية

$
0
0

نُشرت هذه الكلمة في مجلة «أتر»، العدد ١١٩ بتاريخ ١٦ أبريل ٢٠٢٦. 

تَستَّر الموتُ قبل أن يقطف زهرة المرحومة مُزن بستر الإغماء العميق، تلطّف بها ربما في ساعاتها الأخيرة، فغابت قبل أن تغيب. ولا تدري المراقِبة كيف استطاع أن ينفذ بظفره الطويل إلى هذا القلب المفعم بحبّ جماعة المساكين. هل سألها، ربما، واستأذن قبل أن يُسكِتَ ذلك الخفقان؟ ربما. هل استرَقَ السمع إلى ضربات قلبها الأخيرة؛ بأيّ لحن كان وَقْعُها، هل بأراجيز ديسمبر السريعة تلك، أم بأوزان الشعر المُقفّى من إرث الثورية السودانية، محفوظات «الموت معلَّق»، أم ربما بالإنترناشيونال، لحن الثورة الذي لا يَبلى، أم بأعجمية لانغستون هيوز يَطرب ببطولة لينين، أم ربما بلحنٍ أم درمانيّ مِن ضَرْب الرقّ وصفقة «الروجال»؟ لا يمكن الجزم، لكنّ الثابت أنّ المرحومة مُزن عبرَت من زمانٍ كرهَت حربَه وصراعَه من جنس «الثورة المضادّة» واشمأزّت منه كلّ الاشمئزاز، إلى زمان الأبدية المهول. وتركت في قلب كلِّ من قرأت لها حرفاً أو سمعت لها كلمة جرساً للتذكير: أنّ «الثورة» الآنَ هذا ميقاتُ صَلاتها، لا تَقبَل التأجيل والتسويف.

يَشُقّ على مثلي نعي المرحومة مُزن الشابة، فلستُ من أقرانها أو زمرة حبّانها؛ بيننا زمالة الكتابة وبعض قاموس مشترك. لكنّها عبَرت بوابة العصر بـ «فولاذ البطولة»، ناضلت بقوّة وعزم، وماتت شابةً قبل أن يفسد الحساب، «وما تدري نفسٌ بأيّ أرضٍ تموت». أجادت المرحومة مزن القاموس الاشتراكي، وتعلّقت بمفاهيمه وصُوَره، ونفخت في بعض مصطلحه من روحها فقام طيراً واعداً، فرزت منه ما ترجمت به الوقائعَ من حولها إلى صيغٍ نضالية، فهي نصيرة الطبقة العاملة في مقابل البرجوازية، وهي مناضلة الثورة في مقابل الثورة المضادّة، والاشتراكيةُ عندها أقرب من «الأفق» الذي قال به المرحوم محمد إبراهيم نقد، هي قاب قوسين أو أدنى، قد تتجلّى قسماتها متى انتظم الكادحون في بناءٍ قاعديّ وصار لهم «حزب» تعريفُه بالألف واللام؛ الحزب الثوري، صافي الأيديولوجية، عزيز القيادة، شديد الشكيمة، متراصّ الصفوف، الحزب الذي يصنّ فيمسك ويقطع، موسى المُرّ الحجازي، دقّ السُّندالة قلبو.

لم يَقُم حزب المرحومة مُزن، وتعنَّتَ الواقع على هذا الحلم، لكن قامت الثورة بتناقضاتها، ليست الثورة التي تبقّ من خلف أبوابها أنوار الاشتراكية، لكن حلقة من حلقات «الثورة الوطنية الديمقراطية»؛ وهي عبارةٌ لم تهضم المرحومة مُزن نحوَها وصَرْفها. ظلّت المرحومة، على عهد الحزب الغائب، والاشتراكية التي تأتي ولا تأتي، تبحث عن بشائر الأوّل وإشارات الثانية في محيطها ومشاغلها العديدة.

وأحسَنُ شُغلِها وأصفاه عندي ما نظَرَت فيه في جوف الوادي الذي يُحلّق في سَماهُ طير المصطلح، وهو وَادٍ ظلت تعود إليه مرة فالأخرى ببوابة الهندسة الصناعية. تجد عندها على سبيل المثال عِلْماً حقلياً ملموساً بالصناعات الصغيرة والإنتاج الأسَري تحت ظروف سلمية وحربية (انظر: مزن النيل، «الطريقةنحو سياسة صناعية تضع الناس أولاً»، و«تقييممتمحور حول الناس للسياسات الصناعية ما بعد الثورة في السودان 2019-2021»، و«من التحدياتإلى الاستراتيجيات: دروس مستفادة من الصناعة الصغيرة والمتناهية الصغر في السودان خلال الحرب»). وعلى صفحات هذه المجلة حاجّت من أجل الإنتاج (انظر: مزن النيل، «لماذايجب أن ننتج؟»، و«عنالصناعة في زمن الحرب: مُطالعات من التجربة»، و«أساليبتنظيم عالمية لحلول محلية: نحو فهم غير نخبوي للمساندة المتبادلة»، و«فيخضم الاضطرابات وبعيداً عن «المعونة الأمريكية»: تعزيز الخدمات المُدارة مُجتمعياً في السودان».

انقطعت حياة المرحومة مزن قبل أن تدرّ نظراتُها إلى عالم الإنتاج والمنتجين ما يصل بين الاشتراكية الموعودة، المشروع الاشتراكي بعبارتها، وصناعة الصابون المنزلية في غرب أم درمان، وعلّقت آمالها على أنّ الحزب الغائب متى قام والتزم الصراط المستقيم جاب الرايحة وأقام المؤسسات الأيديولوجية والثقافية التي تُحصِّنُ إيمانَ مثل مُنتجي الصابون بعقيدة مكينة في بناء الاشتراكية (مزن النيل، «بعينينليْسَتا لك: من يُعرّف الحرب؟»، أتَـر، ع 74، 24 أبريل 2025).

طالت الحرب، وطال خرابُها الاجتماعَ الذي عاشت المرحومة مُزن طرفاً منه؛ اجتماع الخرطوم التي انطبعت بقالب العولمة وجرت فيها جراحُها فلا يصدمك فيها تمشِّي المتمشّية بكلب صغير حسن التصفيف طعامُه معلّبات تعبر سكّة أرملة نازحة تلوك الصبر على ذلّ السؤال أعطوها أم منعوها. وخرجت المرحومة مُزن من غُمَّة الحرب بمعيارٍ فكتبت: «موقفي السياسي أنه الناس ما تتكتل» صَدَّاً للِجَاجٍ غزير وتحصيناً. لكنّها، وقد عافت «أقصى درجات الصراع الاجتماعي»، تعريف الحرب بعبارة ماو، لم تقنط قطّ، وحافظت على مصطلحها وكذلك على حلمٍ باشتراكيةِ جماعةِ المساكين.